إسطنبول / نجم الدين أجار / الأناضول
يعلم متابعو سياسات الشرق الأوسط عن كثب، أنه عندما تمر مصر بأزمة اقتصادية حادة، فإن السياسة الخارجية للقاهرة تعاني "انحرافا كبيرا"، ولعل أهم أسباب ذلك هو "الضعف الاقتصادي الخطير" في البلاد.
تكمن أهم الأسباب الرئيسية لهذا الضعف الاقتصادي، في ارتفاع معدلات البطالة بسبب انخفاض معدلات النمو، إضافة إلى عدد السكان الذي يزيد على 100 مليون نسمة، ولا يزال يزداد بسرعة.
كما تواجه البلاد عجزا في الحصول على موارد غذائية أساسية كافية لإطعام السكان، نتيجة الضغط الذي يشكله "الدعم الحكومي للسلع" على الميزانية العامة، إضافة لهجرة العقول ذات المهارات العالية إلى الخارج.
ويشير توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، للجيش بأن يكون "جاهزا للتدخل العسكري في ليبيا"، إلى وجود انحراف جديد اتضحت ملامحه منذ فترة طويلة في السياسة الخارجية للبلاد.
ويعد تبني مصر موقفا متساهلا للغاية إزاء قضية سد النهضة الإثيوبي، ومنحها جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين للسعودية، وصمتها حيال سعي إسرائيل لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، و"سياسة الصقور" بشأن الأزمة الليبية، من الأشياء المهمة التي تعكس أبعاد هذا "الانحراف السياسي".
ولا شك أن تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، يشكل تهديدا خطيرا على أمنها الاقتصادي ونفوذها في منطقة البحر الأحمر.
وبالمثل، تشكل سياسة الضم الإسرائيلية في منطقتي الضفة الغربية والجولان تهديدات أمنية كبيرة لمصر.
وبينما تظل إدارة السيسي، صامتة أمام هذه التهديدات التي تضر بمصالحها الوطنية، تستعد مصر للحرب من خلال رسم "خطوط حمراء" في ليبيا، وهي قضية ليست بنفس أهمية الأمور السابقة.
ولا يوجد تفسير لهذه الصورة الدراماتيكية، سوى أن "السياسة الخارجية المصرية أصبحت تحت سيطرة الإمارات والسعودية، من أجل الحصول على البترول والدولار الخليجي الذي سيساعدها في التغلب على تحدياتها الاقتصادية".
** السياسة الخارجية المصرية
رغم أن مصر تحتل مكانة مركزية في العالمين العربي والإسلامي على الصعيد العسكري والفكري والثقافي والديموغرافي، فإن احتياجاتها الهائلة هي أكبر عقبة أمام تبنيها سياسة خارجية تهدف إلى حماية مصالحة الوطنية.
ونظرا لافتقارها إلى الموارد الاقتصادية اللازمة لتلبية احتياجات السكان، فهي تستخدم مزاياها العسكرية والفكرية والثقافية والديموغرافية وسائل لتلبية هذه الاحتياجات.
ولذلك تدخل السياسة الخارجية المصرية تحت سيطرة التوجه الذي سيساعد البلاد بشكل أكبر في التغلب على الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بالداخل.
وهذا هو السبب في أن "السياسة الخارجية لمصر أصبحت تحت سيطرة روسيا في الستينيات، والولايات المتحدة في الثمانينيات، والمحور الإماراتي السعودي في مرحلة الربيع العربي".
ومن ثم فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمساعدات الاقتصادية التي وعدت هذه الدول بتقديمها إليها.
وقد بدأت الأزمة الاقتصادية في مصر تتدهور بشكل خطير مطلع 2020، بسبب التطورات الآتية:
أولا: انخفاض أسعار النفط ما تسبب في تراجع حاد بالتحويلات التي ترسلها العمالة المصرية في منطقة الخليج إلى بلادهم، البالغ عددهم نحو 3 ملايين.
وبلغ حجم تحويلات المصريين في 2019 نحو 26 مليار دولار، وعلاوة على ذلك، فقدَ العديد منهم وظائفهم في دول الخليج خلال هذه الفترة، واضطروا للعودة إلى بلادهم.
إضافة إلى ذلك، فهناك أثر سلبي آخر لانخفاض أسعار النفط على الاقتصاد المصري، وهو التراجع "الكبير" في الصناديق الاستثمارية الخليجية التي تدخل البلاد، إذ جذبت القاهرة العام الماضي، استثمارات بنحو 8.5 مليارات دولار معظمها من الخليج.
ثانيا: توقف قطاع السياحة تماما بسبب انتشار فيروس كورونا، الأمر الذي أدى إلى خسائر كبيرة في عائدات الاقتصاد المصري.
وتعد السياحة في مصر، موردا مهما للغاية من حيث إدخال العملات الأجنبية والتوظيف، وفي حين بلغت عائدات السياحة 12.6 مليار دولار العام الماضي، فإن الرقم يقترب من صفر في 2020.
ثالثا: خلال مرحلة انتشار كورونا، كان هناك انسحاب كبير لرؤوس الأموال من الاقتصاد المصري الذي أصابه الضعف، ويقدر هذا الانسحاب بحوالي 8.5 مليارات دولار.
رابعا: تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي بسبب كورونا، خفّض عائدات قناة السويس التي بلغت 5.8 مليارات دولار في 2019.
كل هذه العوامل دفعت مصر لتكون "أسيرة للدولار والنفط الخليجي".
** سياسة دفتر الشيكات
مع بدء "الربيع العربي"، تحول المحور الإماراتي السعودي نحو سياسة خارجية طموحة قائمة على التدخل في جميع دول الشرق الأوسط.
ويعتبر التدخل العسكري في البحرين واليمن، وتشكيل ودعم تنظيمات مسلحة في سوريا والعراق، ودعم الحكومات الانقلابية في ليبيا ومصر، وحصار قطر، أهم انعكاسات هذه السياسة الخارجية لذلك المحور.
ويتمثل الهدف الوحيد لهذه السياسية في حماية الوضع الإقليمي الحالي ضد التحركات الثورية المطالبة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
ومثلما تسبب الغزو الأمريكي للعراق في 2003 بإضعافه، أدى "الربيع العربي" في 2010 إلى إضعاف سوريا ومصر، ما أسفر عن وجود فراغ كبير في القوة بمنطقة الشرق الأوسط.
وفي هذه الفترة، استهدف المحور الإماراتي السعودي سد فراغ القوة واستعادة الوضع الإقليمي الضعيف من جديد وتعزيز نفوذه في منطقة الخليج والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط إن أمكن.
وقد كان للمحور الإماراتي السعودي ركيزتان مهمتان ساعدتاه على تبني وتعزيز هذه السياسة.
الركيزة الأولى هي وفرة البترودولار نتيجة ضعف الجهات الفاعلة المهمة في الشرق الأوسط مثل العراق وسوريا ومصر.
والثانية هي الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال الفترة من 2004 وحتى 2014.
ويكفي النظر إلى هذا المحور تجاه اليمن، لفهم مدى ضعف هذه السياسة التي يجوز تسميتها "دفتر الشيكات" في إقامة نظام سياسي لمصلحته في المنطقة.
ولقد لمسنا مدى فشل التحالف الذي تم إنشاؤه للتدخل العسكري في اليمن عام 2015، والنفقات الدفاعية الضخمة التي تم صرفها خلال هذه الفترة في "تحجيم" دور إيران الإقليمي.
وقد أدى عدم دعم مصر وباكستان للمحور الإماراتي السعودي في الحرب البرية على اليمن، إلى تدهور خطير في قدراتهما العسكرية وانهيار الصورة العالمية لذلك للمحور في الحرب المستمرة لأكثر من خمس سنوات.
وبالمثل، فشل المحور الإماراتي السعودي في "تحجيم" وموازنة دور إيران في كل من سوريا ولبنان والعراق، رغم كل الموارد العسكرية والاقتصادية التي أنفقها هناك.
** الأزمة الليبية
نشهد في الفترة الأخيرة تراجع مليشيا الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، الذي يدعمه المحور الإماراتي السعودي في ليبيا، أمام القوات الحكومية، ما قد يدفع ذلك المحور إلى مغامرة جديدة.
يعتزم المحور الذي لم يتعلم من الإخفاقات التي مر بها في مسألة "تحجيم" إيران في اليمن وسوريا، الاستفادة من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر لـ"تحجيم" دور تركيا في ليبيا.
ويرغب هذه المرة في استخدام القدرات العسكرية والفكرية والثقافية والديموغرافية لمصر، لمصالحه الخاصة، وذلك من خلال اتباعه سياسة "دفتر الشيكات" مرة أخرى.
غير أنه غير مدرك أنه يكرر الأخطاء التي ارتكبت في اليمن، لأنه في التحالف الذي تم تشكيله عند التدخل هناك في 2015، تم الاعتماد على القدرة العسكرية لمصر وباكستان.
ولكن لم يكن اليمن ذا أولوية في أجندة السياسة الخارجية لكل من مصر وباكستان، ومن ثم فقد امتنعتا عن تقديم الدعم الكافي للعملية هناك، رغم بعض التلميحات بالتدخل من طرف مسؤولين في القاهرة وإسلام أباد.
وينطبق الشيء نفسه على سياسة مصر تجاه ليبيا، لأن "قضية ليبيا ليست ذات أولوية بالنسبة إلى مصالح مصر الوطنية وأمنها".
وبينما تعتبر مسألة حماية الحقوق في مياه النيل وبسط التأثير في منطقة البحر الأحمر هي الأجندة السياسة الخارجية الأساسية للقاهرة، فإن "الزج بالجيش المصري داخل ليبيا سيكون علامة على فشل جديد".
وفي السياق، هناك هدفان رئيسان للإعلان الأخير للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الدبلوماسي السعودي يوسف العثيمين، بأن "الإخوان المسلمين أخطر من داعش".
أولاهما، القضاء على تعاطف ودعم الرأي العام الغربي مع الحكومة الليبية، من خلال إظهارها بصورة "الحكومة التي لها علاقة بالإرهاب".
وثانيهما، تسهيل عمل إدارة السيسي بالداخل، وذلك لأنه رغم الانقلاب العسكري في 2013، تشكل حركة "الإخوان المسلمين" أكبر كتلة دعم اجتماعي معارضة في مصر.
وبهذه الطريقة، يريد المحور الإماراتي السعودي، إضافة للدعم الاقتصادي الذي يقدمه إلى مصر، قمع حركات المعارضة المنظمة المحتملة ضد إدارة السيسي.
ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا، وبالتحديد عند بدء حرب اليمن، شدد السيسي حينها في بيان حازم، على أن "أمن الخليج هو أمن مصر"، وها نحن اليوم نراه يكرر نفس الخطاب بشأن ليبيا.
وعندما نلقي نظرة فاحصة على السياسة الخارجية التي يتبعها السيسي بشأن اليمن وليبيا، يمكننا القول بكل سهولة، إنه "متحمس لتأجير القدرة العسكرية والثقافية والفكرية والديموغرافية للدولة المصرية".
وهناك أمران محزنان في هذا الأمر، أولهما تضرر صورة مصر ومكانتها المركزية من خلال استخدامها أداة لطموحات السيسي الشخصية، والسياسات المغامرة للمحور الإماراتي السعودي.
وثانيهما، إضعاف القاهرة بكل ما تمتلكه من إمكانات عبر هذه السياسات غير محسوبة العواقب، لأنه بينما يحاول المحور الإماراتي السعودي إضعاف القدرة العسكرية لمصر من خلال الزج بها داخل ليبيا، تحاول إسرائيل خنقها من خلال دعم إثيوبيا في مسألة بناء السد.
news_share_descriptionsubscription_contact
