بيروت / نعيم برجاوي / الأناضول
ـ النزاع بين الجانبين عاد إلى الواجهة بعد إعلان شركة "هاليبرتون" الأمريكية الأسبوع الماضي حصولها على ترخيص إسرائيلي لبدء التنقيب عن الغاز والنفط في البحر قرب الحدود مع لبنانبينما يغرق لبنان بملفاته الشائكة سياسياً واقتصادياً، تفجر نزاعه الحدودي البحري مع إسرائيل مجدداً، بعد 5 أشهر من توقف مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين من أجل إنهائه.
عودة هذا الملف إلى الواجهة جاء من باب إعلان شركة "هاليبرتون" الأمريكية، الأسبوع الماضي، حصولها على ترخيص لبدء التنقيب عن الغاز والنفط في حقل كاريش البحري قبالة ساحل إسرائيل، والتي تعد منطقة متنازعا عليها مع لبنان.
إلا أن تلك الحدود متنازع عليها بين الجانبين الذين خاضا 5 جولات محادثات في الناقورة (جنوب لبنان) منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2020، حتى مايو/ أيار الماضي، برعاية الأمم المتحدة ووساطة أمريكية، قبل أن تُعلق المفاوضات نتيجة عدم إحراز أي تقدم فيها.
الخطوة الإسرائيلية قوبلت برفض لبناني لأي مسّ بحقوقه النفطية، حيث طلب رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من وزارة الخارجية "إجراء الاتصالات اللازمة" مع الجهات الدولية المعنية لمنع إسرائيل من بدء التنقيب.
** المساحة المتنازع عليها
وتبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها التي تعد غنية بالنفط والغاز 860 كلم مربعاً، بحسب الخرائط المودعة من جانب لبنان وإسرائيل لدى الأمم المتحدة منذ 2011.
لكن لبنان اعتبر لاحقاً أن خريطته (المودعة لدى الأمم المتحدة) استندت إلى تقديرات خاطئة، وأن المساحة المتنازع عليها هي 2290 كلم مربعاً، وهذا ما طرحه وفد البلاد خلال إحدى جلسات المباحثات، وقوبل برفض إسرائيلي.
وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن مستعدة للتوسط في المباحثات بين الطرفين، وتحثهما للتفاوض على أساس المطالبات البحرية الخاصة بهما (الخرائط) التي تم إيداعها سابقاً في الأمم المتحدة.
*** حقل كاريش
يقول الخبير العسكري هشام جابر، إن إسرائيل استغلت الأوضاع بلبنان سياسياً واقتصادياً لتبدأ التنقيب في حقل "كاريش"، مشيرا إلى أنه وفق "الخبراء اللبنانيين فإن حصة لبنان من الغاز في هذا الحقل تبلغ نحو 40 بالمئة".
ويضيف جابر، للأناضول، أن خطوة إسرائيل (منح ترخيص التنقيب) تهدف إلى الاستفادة من الغاز من جهة، ودفع الحكومة اللبنانية من جهة أخرى للعودة إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة بشأن ترسيم الحدود.
وكانت المفاوضات توقفت عند إصرار وفد بيروت على أن حدود لبنان هي الخط 29 وليس 23، وفقاً لخريطة قدمها بإحدى جلسات المحادثات تدفع باتجاه 1430 كلم مربعاً إضافيا للبنان، وهذا ما ترفضه إسرائيل.
** استبعاد التصعيد العسكري
ويستبعد جابر نشوب تصعيد عسكري لا سيما مع "حزب الله" على إثر ذلك، نظراً إلى أن الولايات المتحدة (حليفة إسرائيل) ليست مستعدة خلال عهد رئيسها جو بايدن للتورط في أي حرب جديدة بالمنطقة.
ويلفت إلى أن مصلحة لبنان أيضاً هي بالعودة إلى المحادثات، مرجحاً حصول ذلك قريباً لا سيما أن الحكومة الجديدة تسعى إلى إرضاء الولايات المتحدة ومعها دول الخليج لحشد دعم إضافي لها.
وكان أمين عام جماعة "حزب الله" حسن نصر الله، حذر إسرائيل مرارا من المس بموارد الطاقة في المياه الإقليمية اللبنانية، مهدداً باستهداف محطات النفط البحرية الإسرائيلية، لكنه ربط ذلك باتخاذ موقف رسمي من الدولة اللبنانية.
ويمتلك "حزب الله" المدعوم من إيران ترسانة كبيرة من الأسلحة والصواريخ، وكان قد خاض على مدى سنوات مواجهات عديدة ضد إسرائيل، التي كانت تحتل أجزاء من جنوب لبنان قبيل انسحابها منه عام 2000.
** استئناف المفاوضات
استبعاد التصعيد العسكري عند الحدود، يرجحه أيضاً المحلل السياسي توفيق شومان، الذي يقول، في حديثه للأناضول، إن تشكيل الحكومة اللبنانية من شأنه أن يحرك المياه الراكدة أمام طاولة المفاوضات.
وفي 10 سبتمبر/ أيلول الجاري، تشكلت حكومة ميقاتي عقب 13 شهرا من التعثر بسبب خلافات سياسية، على إثر استقالة حكومة حسان دياب، في 10 أغسطس/ آب 2020، بعد 6 أيام من انفجار ضخم هز مرفأ بيروت.
ويوضح شومان أن من أسباب توقف المفاوضات قبل أشهر كان تعثر تشكيل الحكومة اللبنانية، وتوقف الاتصالات والمساعي بهذا الشأن.
أما اليوم وبعد تشكيل الحكومة ونيلها ثقة البرلمان، يرى شومان أنه ليس عن طريق المصادفة الإعلان من قبل الشركة الأمريكية بدء التنقيب لصالح إسرائيل في المنطقة الاقتصادية المتنازع عليها.
وفضلاً عن الحاجة إلى الطاقة، يأمل لبنان مستقبلاً من خلال ثروته النفطية جذب استثمارات أجنبية، إذ يعاني منذ نحو سنتين، أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، أدت إلى انهيار مالي وفقدان الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى.
** ضوء أخضر أمريكي
ويشير شومان، إلى أن الخطوة الإسرائيلية عبر الشركة الأمريكية، ليست بمعزل عن ضوء أخضر من الإدارة بواشنطن، وقد تكون بمثابة ضغط منها على لبنان من أجل العودة إلى التفاوض.
ويلفت إلى أن موقف واشنطن من هذا الملف يُمكن ربطه بمسألة تسهيلها استجرار الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا مؤخراً، وقد يكون الأمريكيون يتبعون مع لبنان استراتيجية التصعيد من جهة، والحلحلة من جهة أخرى.
ويرى أن مجريات هذا الملف ستتبلور تبعاً لخطوات السلطات اللبنانية سواء من خلال تعديلها "مرسوم الحدود" لدى الأمم المتحدة، أو موقفها من العودة إلى المفاوضات من جهة، وموقف الوسيط الأمريكي من جهة أخرى.
وفي حال تم تعديل "المرسوم"، تتغير الإحداثيات بالخرائط اللبنانية المودعة لدى الأمم المتحدة، وتزيد مساحة لبنان في البحر 1430 كلم مربعاً إضافياً، وتصبح بذلك المساحة المتنازع عليها 2290 كلم مربعاً، أي مطابقة لموقف وفد بيروت إلى المفاوضات.
والتعديل كان قد وافق عليه الوزراء المعنيون في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية السابقة، إلا أنه لم ينل توقيع رئاسة الجمهورية التي قالت في 13 أبريل/ نيسان الماضي، إنه يحتاج إلى قرار الحكومة (مجلس الوزراء) مجتمعة، نظراً لأهميته والنتائج المترتبة عليه.
وفي حديث سابق للأناضول، رأى المؤرخ والباحث في قضايا ترسيم الحدود عصام خليفة، أن النزاع في الأساس هو من أين ينطلق خط ترسيم الحدود البحرية من البرّ.
وأوضح أن الخط الحدودي البحري يجب أن ينطلق من رأس الناقورة، أي من الحدود المرسومة دولياً، وفق اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل عام 1949.
وبحسب خليفة، فإن ذلك لا يتحقق إلا من خلال تعديل "المرسوم"، محذراً من أن عدم تعديله يتيح لإسرائيل الحصول على كميات ضخمة من الغاز الواقعة في مياه لبنان الإقليمية.
وإضافة إلى النزاع الحدودي البحري، تشهد الحدود البرية بين الجانبين توترات بين الحين والآخر، فيما لا تزال إسرائيل تحتل جزءًا من الأراضي اللبنانية، هي مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وصدر قرار من مجلس الأمن عام 1978، ينص على انسحابها، لكنه لم يُنفذ حتى اليوم.
news_share_descriptionsubscription_contact
