نيودلهي / الأناضول
-ملايين الدولارات أُنفقت لمنح نيودلهي مظهرا برّاقا لاستقبال قادة مجموعة العشرين.تغيّرٌ ملحوظ خيّم على مظهر العاصمة الهندية نيودلهي، في إطار إجراءات استعدادية أجرتها السلطات للترحيب بزعماء أغنى دول العالم وأكثرها نفوذا خلال قمة مجموعة العشرين "G-20" التي تستضيفها السبت والأحد.
فقد نُظفت الطرقات والأبنية وتم طلاؤها، وغُرست آلاف النباتات على طول الطرقات، وتزخرفت الأنفاق بجداريات جديدة، وأضيئت الشوارع، في إطار التجديد الذي بلغت تكلفته ملايين الدولارات، للمدينة التي تُعتبر من بين أكثر المدن تلوثا في العالم.
أثناء تجديد نيودلهي، لم تلجأ السلطات للتوفير في الإنفاق على التحضيرات لقمة مجموعة العشرين، حيث كانت الرسالة واضحة: تريد الهند أن يراها العالم في أفضل حالاتها!.
هناك جانب آخر للتحول في نيودلهي يختلف عن جانبها المزخرف، فعلى طول الطريق باتجاه مقر انعقاد قمة مجموعة العشرين، سيلاحظ العابرون لوحات كبيرة وجدران خضراء عالية، يحمل العديد منها ملصقات صور لرئيس الوزراء ناريندرا مودي يبدو فيها مبتسما، وكأن الهند تريد لزعماء العالم ألا يرون ما لا تريد الهند أن يرونه.
هذه الحواجز البرّاقة، تم وضعها بادئ الأمر لإخفاء الأحياء الفقيرة في نيودلهي عن الضيوف الاستثنائيين، ثم أجريت عملية تنظيف واسعة النطاق، أثّرت على حياة ومصدر رزق مئات الآلاف من الأشخاص، ما أجبر الكثيرين على مغادرة العاصمة.
غييندرا كومار، بائع متجول يبلغ من العمر 29 عاما، وهو واحد من المتأثرين بالتغييرات الطارئة في شوارع المدينة بعد أن أخبره المسؤولون الأسبوع الماضي بضرورة إغلاق مكان عمله مؤقتا، وهو كشك على جانب الطريق لبيع المشروبات الباردة في أحد أحياء نيودلهي الراقية.
وقال كومار للأناضول: "أخبروني أنه لا يمكننا إعادة فتح الكشك حتى انتهاء قمة مجموعة العشرين، ليس لدي خيار سوى اتباع الأوامر".
وقال كومار إنه يكسب حوالي 400 روبية هندية (نحو 5 دولارات) في اليوم، وهو مبلغ "بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة، لذا فإن هذه الأيام ستكون بدون أي دخل، وهذه بحد ذاتها مشكلة كبيرة".
وقال: "لقد شعرت بخيبة أمل كبيرة، لم يكن لدي خيار سوى العودة إلى مسقط رأسي في ولاية أوتار براديش"، معتبرا أن قمة مجموعة العشرين تمثل لحظة فخر لبلده، لكنها لا تفيده بشيء، حسب قوله.
سوشما شارما، بائعة متجولة، ترتبط بـ"لجنة العمل المشترك للباعة المتجولين"، وهي مجموعة تعمل لصالح هذه الفئة من العاملين.
انتقدت شارما تخطيط الحكومة القاسي لاجتماع القمّة رفيع المستوى.
وقالت للأناضول: "البائع المتجول يكسب رزقه بشكل يومي، ثم يطعم أسرته، هؤلاء البائعون لهم أيضًا الحق في كسب وإطعام أسرهم".
ورأت أنه "من الممكن أن يكون هؤلاء الباعة جزءا من تجميل مدينتهم، ولكن بدلاً من ذلك تمّت إزالتهم".
عبدول شكيل، الناشط في منتدى باستي سوراكشا مانش (إنقاذ المستعمرة)، قال "إن الأشخاص الأكثر ضعفا تحمّلوا وطأة الاستعدادات لقمة مجموعة العشرين في نيودلهي".
وأضاف: "الحكومة تحاول تسليط الضوء على الهند باعتبارها معلّم العالم، ولكن بأي ثمن؟".
وأشار مانش إلى أن "الآلاف نزحوا وفقدوا مصدر رزقهم، وهم الذين يدفعون الضرائب التي تستخدم لاستضافة أحداث كبيرة مثل قمة مجموعة العشرين".
وتساءل: "هل سمعتم من قبل عن مثل هذه الأشياء عندما تستضيف دولة أخرى مجموعة العشرين؟ أنا لم يسبق لي أن سمعت بذلك".
سورجيت سينغ فول وهو شخصية بارزة في "حركة المزارعين" بالهند، نشر مقاطع فيديو على منصة "إكس"، يظهر حيا فقيرا مغلقا بأغطية خضراء.
وقال، إن السلطات "تخفي الأحياء الفقيرة في المدينة لأجل قمة مجموعة العشرين، في محاولة يائسة لإخفاء عدم المساواة الاقتصادية".
إضافة إلى التغطية بهدف الإخفاء، تم هدم العديد من الأحياء الفقيرة في نيودلهي بالكامل، خلال العام الماضي، الأمر الذي تؤكد السلطات أنه لا علاقة له باستعدادات مجموعة العشرين.
وعلى مقربة من ميدان براغاتي، المكان الرئيسي لانعقاد القمة، يوجد مخيم "جانتا" الذي يضم العديد من الأحياء الفقيرة، ولكن السلطات أخلته هذا العام، وتركت الآلاف دون مأوى.
محمد شميم، وهو عامل يومي من ولاية بيهار الشمالية ويعيش في المكان منذ التسعينيات، تلقى إشعارا بالإخلاء في وقت سابق من هذا العام.
وقال للأناضول إنه "تم هدم المخيم قبل أشهر قليلة من موعد انعقاد قمة مجموعة العشرين، ما يجعله يعتقد أن ذلك مرتبط بالحدث.
وأضاف "لا أحد يهتم بأشخاص مثلنا، أدفع الآن ما لا يقل عن 3000 روبية (نحو 36 دولارا) للإيجار، بينما أكسب 400 روبية (نحو 5 دولارات) فقط في اليوم".
شميم وسكان المخيم الآخرون حاولوا التحرك، ورفعوا قضيتهم إلى المحكمة، لكن طلبهم رُفض وتمت الموافقة على الهدم.
وتابع: "لم يفكر أحد بهؤلاء الفقراء قبل قمة مجموعة العشرين، لذلك نطلب الآن من الحكومة أن تفعل شيئا لنا بمجرد انتهاء الحدث، يجب أن يساعدونا على إعادة التوطين في مكان ما".
رغم الانتقادات الواسعة، تقول السلطات الهندية إن هدم الأحياء الفقيرة "ليس له علاقة بقمّة مجموعة العشرين".
وفي يوليو/تموز الماضي، أبلغت الحكومة البرلمان في رد مكتوب، أن "هيئة تنمية دلهي" نفذت 49 حملة هدم في العاصمة بدءا من أبريل/نيسان الماضي.
وقالت وزارة الإسكان والشؤون الحضرية، إن الهيئة أبلغت الحكومة أنه "لم يتم هدم أي منزل لتجميل المدينة لحضور قمة مجموعة العشرين".
وتعليقا على ذلك، قال نيرمال جورانا، الناشط بمنظمة "مازدور أواس سانغارش ساميتي" للأناضول، "تم تنظيف دلهي من أجل الوفود الزائرة، دون أي اعتبار للمتضررين".
ولفت إلى أن "مصادر عيش الناس دُمّرت، وهم الآن يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية".
news_share_descriptionsubscription_contact
