22 مايو 2017•تحديث: 22 مايو 2017
الخرطوم / حسام بدوي / الأناضول
من بين عشرات المكتبات العامة، في مختلف أنحاء السودان، يبقى منزل الأكاديمي والشاعر السوداني الراحل، النور عثمان أبكر، واحدًا من أكثر المكتبات "رمزية".
كثيرة هي صفات الرجل، من أكاديمي ومترجم إلى شاعر وأديب، لكنه محور مسيرته أنه كان ركنا من أركان مدرسة الغابة والصحراء، تلك المدرسة التي سعت لحل أزمة الهوية في بلد أنهكته الحروب الإثنية.
ارتكزت فلسلفة هذا التيار، الذي ظهر في ستينات القرن الماضي، على الاعتراف المتبادل، والتعايش بين المكونين، العربي الذي رُمز له بالصحراء، والإفريقي الذي رُمز له بالغابة.
ومن هذه المدرسة، استلهم أبكر أشعاره، مثل تلك الواردة في ديوانيه، "صحو الكلمات المنسية" و"غناء للعشب والزهرة"، ومسيرته، التي أثراها أيضا بترجماته من الإنجليزية والألمانية إلى العربية.
لكن أكثر أعماله إلهاما، كما يرى زملائه وتلامذته، حرصه ومعاونته غير المحدودة للناشئة من الكتاب والمبدعين، حيث كان منزله في سبعينيات القرن الماضي منتدى، فقدته الحركة الثقافية، عندما غادر للعمل بالدوحة، في الثمانينيات.
في واحدة من مقالاته، كتب الشاعر السوداني، عالم عباس، عن دار أبكر بأنها كانت "تتلقى أرتالا منّا، نحن ناشئة الأدباء، زغب الحواصل، أقلامنا طرية، ومحاولاتنا تنهض وتكبو. كان يرى في البذور براعم مُبشرة، وفي الزند المتساقط نارا مقدسة على وشك الاشتعال".
وما يحزّ في نفس هذا الجيل الذي تربى على يد أبكر، أنه لم يعد من غربته، حيث أمضى في قطر نحو ثلاثين عاما، عمل خلالها في تلفزيونها الرسمي ومجلة الدوحة ومترجما في الديوان الأميري.
توفي الرجل بالدوحة في 2009، عن عمر ناهز 71 عاما، لكن ما يعزي محبيه، التزام أسرته بوصيته جعل قسم من داره بالخرطوم، مكتبة عامة، أُفتتحت رسميا في مارس/ آذار الماضي.
وتضم المكتبة نحو 7 آلاف كتاب، بلغات مختلفة، هي بالأساس تلك الأسفار التي جمعها الرجل، خلال مسيرته، وتتفاوت من الفكر والسياسة إلى التاريخ والأدب.
وتحتوي المكتبة كذلك على قسم في الموسيقى، يجمع أعمال عالمية كلاسيكية وأغاني الجاز، بجانب مقطوعات نادرة لفنانين عرب وسودانيين.
وقالت إيزيس، ابنة الراحل، لمراسل الأناضول، أثناء زيارته للمكتبة، إن والدها "نذر أسمه وأراد له أن يكون مقرونا بالقراءة والكتابة، وكانت وصيته قبل الموت أن تحفظ كتبه من الضياع، وتتاح لكل طالب معرفة".
وتحكي إيزيس كيف اجتهدت أسرتها، على مدار ثلاث أعوام، في جمع كتب والدها، ونقلها من الدوحة إلى الخرطوم، قبل فهرستها، لتكون متاحة للجمهور، دون أي رسوم اشتراك.
وفيما تعمل المكتبة حاليا بمعدل يومين في الأسبوع، مع إقبال "متوسط" من طلاب الدرسات العليا والباحثين، تشير ابنة الراحل إلى رغبتهم في "توسعتها مستقبلا لتعمل يوميا".
وبالنسبة إلى أحمد الطاهر، أحد رواد المكتبة من طلاب الدراسات العليا، فإن "هذه الكتب لا تعبر عن شخصها فحسب، بل تاريخ واهتمامات جيل بأكمله".
ومشيرا إلى صورة لأبكر، مرتديا الجلباب والعمامة التقليديتين، عُلقت على أحد جدران المكتبة، أضاف الطاهر "هو ببساطة، صاحب أكثر المكتبات رمزية في بلادنا".