Ahmed Abdelsalam Ahmed Nassr
24 مارس 2016•تحديث: 24 مارس 2016
أحمد المصري/ الأناضول
مع تتويج العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، مساء الأربعاء، الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية لعام 2016، التي تهدف إلى خدمة المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، تستعيد الأذهان والعقول سيرة الملك الذي تحمل اسمه الجائزة، والذي عُرف عنه سعيه الدائم للتضامن الإسلامي ودفاعه البارز عن القضية الفلسطينية في مختلف الميادين.
ووفق ما رصده مراسل الأناضول من مواقع سعودية رسمية إلى جانب وسائل إعلام محلية، تصدر تلك الجائزة عن مؤسسة "الملك فيصل الخيرية" التي أقامها عام 1976 أولاد الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، وبعد عام من ذلك التاريخ قرَّر مجلس أمناء هذه المؤسسة إنشاء جائزة عالمية باسم الراحل، ومُنِحت أَوَّل مَرَّة عام 1979.
وقد نال جائزة الملك فيصل العالمية، عدد من الملوك والرؤساء، وقادة الفكر والإبداع، والعلماء، ورجال الدين من مختلف دول العالم، من أبرزهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عام 2010 لجهوده في خدمة الإسلام.
ويعد الملك فيصل، الذي حكم بلاده من عام 1964 الى 1975، الرائد الحقيقي للتضامن الاسلامي في العصر الحديث، حيث كان مقتنعاً بالتضامن فكرة ومنهجاً، وتمكن، من تسجيل مواقف مشرفة له في خدمة القضايا العربية والإسلامية، حيث أسهم في لم شمل العرب بعد هزيمة 1967من إسرائيل، ووقف موقفاً حازماً فيما يتعلق بحرق المسجد الأقصى، كما أنه أول من استخدم سلاح النفط في وجه المعادين للحق العربي والإسلامي في فلسطين وغيرها.
وولد فيصل بن عبد العزيز آل سعود عام 1906، وهو الابن الثالث لمؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبدالعزيز، ختم القرآن في التاسعة من عمره، وتتلمذ على يدي والده في علوم الفروسية والسياسة، فانغرست فيه الأخلاق الحميدة وعُرف منذ طفولته بالشجاعة والكياسة والفطنة، فانتخبه والده ليمثله في المحافل الدولية في سنٍ مبكرة.
أرسله والده في زيارات إلى بريطانيا وفرنسا نيابة عنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وكان وقتها بعمر ثلاثة عشر عاماً، وأرسله لزيارة عدد من دول أوروبا الغربية عام 1926، لشرح التطورات السياسية في الجزيرة العربية بعد توحيد الحجاز، وضمه إلى بوتقة الدولة السعودية الحديثة، وليقدم لهذه الدول الشكر والامتنان لاعترافها بالدولة السعودية الحديثة.
تقلد الملك فيصل عدة مناصب قيادية في عهد أبيه الملك عبدالعزيز، وأثناء عهد أخيه الملك سعود، فقد عينه والده نائبًا له على الحجاز عام 1926، ثم عينه رئيسًا لمجلس الشورى عام 1927، ثم أول وزير للخارجية السعودية عام 1930، ويعد بذلك أول وزير للخارجية في الدولة السعودية الحديثة.
وفي عام 1935، تولى عمارة المسجد الحرام بتكليف من الملك عبدالعزيز، وكانت هذه أول عمارة للمسجد الحرام في عصر الدولة السعودية الحديثة.
وفي عام 1953 تولى فيصل ولاية العهد في عهد أخيه الملك سعود بعد وفاة والدهم، ثم أصبح رئيساً لمجلس الوزراء ، ثم تولى الحكم عام 1964، وذلك بعد مرض أخيه الملك سعود.
دفاعه عن القضية الفلسطينية
عُرف عن الملك فيصل منذ صغره دفاعه عن القضية الفلسطينية، فعند رئاسته وفد بلاده في مؤتمر لندن عام 1939 لمناقشة القضية الفلسطينية، لمواجهة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أوضح معارضة المملكة للهجرة اليهودية، وتأكيدها على حق الشعب الفلسطيني غير المنازع في وطنه.
وأثناء توليه وزارة الخارجية، طلب من الملك عبد العزيز قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وذلك بعد قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، ولكن طلبه هذا لم يجب.
وفي اجتماع هيئة الأمم المتحدة عام 1947 – لمناقشة القضية الفلسطينية والنظر في قرار التقسيم والذي أيدته الولايات المتحدة الأمريكية – انتقد فيصل سياسة الولايات المتحدة في دعمها لـ"الصهاينة"، وأوضح أن المملكة العربية السعودية ترفض قرار التقسيم، وأنها ستدافع عن حقوق العرب وحقوق الشعب الفلسطيني بالطريقة التي تراها مناسبة.
ومما قاله : "إذا كان هناك من يقول بأن يقبل العرب بقرارات الأمم المتحدة، فعلينا أن نعترف بدولة الصهاينة، لأن الأمم المتحدة معترفة بها، فعلينا أن نقبل تقسيم فلسطين، الذي نصت عليه قرارات الأمم المتحدة .. وهذا ما لا يمكن أن نقبل به أو نرضى عنه، وإذا أجمع العرب في بلاد أخرى على أن يرضوا بوجود (إسرائيل) وتقسيم فلسطين فلن ندخل معهم في هذا الاتفاق".
وفي عام 1948، وجه خطابًا إلى الشعب السعودي، تحدث فيه عن القضية الفلسطينية، والمأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.
كما خطب في عام 1963 على منبر الأمم المتحدة، حيث ذكر أن الشيء الوحيد الذي بدد السلام في المنطقة العربية هو القضية الفلسطينية منذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين.
ومن سياسته التي اتبعها حول هذه القضية عدم الاعتراف بإسرائيل، وتوحيد الجهود العربية وترك الخلافات بدلًا من فتح جبهات جانبية تستنفذ الجهود والأموال والدماء، وإنشاء هيئة تمثل الفلسطينيين، وإشراك المسلمين في الدفاع عن القضية، وقد ظل طوال حياته يسعى بكل جهد لخدمة القضية الفلسطينية واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
التضامن الإسلامي
يعد الملك فيصل، الرائد الحقيقي للتضامن الإسلامي في العصر الحديث، ولطالما سعى لنبذ الخلافات مع الدول العربية والإسلامية، فعلى الرغم من الخلافات بينه وبين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، إلا أنه بعد حرب 1967 وعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، تعهد بتقديم معونات مالية سنوية حتى تزول آثار الحرب على مصر، كما أنه قرر مع عدة دول عربية، قطع البترول أثناء حرب أكتوبر عام 1973، ومن أبرز أقواله عندما قطع النفط عن أمريكا: "عشنا، وعاش أجدادنا على التمر واللبن، وسنعود لهما".
وقال مخاطباً رئيس شركة "التابلاين" الأمريكية إن "أية نقطة بترول ستذهب إلى إسرائيل، ستجعلني أقطع البترول عنكم".
فقد نشط الملك فيصل في الدعوة إلى التضامن الإسلامي، وإلى التعاون العربي الإسلامي من أجل خير الأمة الإسلامية ومصالحها الدولية ومستقبلها العام، لذا فقد تبنى مشروع حركة التضامن الإسلامي الرامية إلى إقامة تعاون وثيق بين دول العام الإسلامي قاطبة، فدعا إلى عقد مؤتمر إسلامي يكون على مستوى القمة يرجو من انعقاده نفعًا جليلًا للإسلام والمسلمين في شتى بقاعهم، وقد أنشئت رابطة العالم الإسلامي التي كانت لها الريادة في تنظيم عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في 18 أبريل/نيسان 1965.
ولترسيخ مفهوم دعوة التضامن الإسلامي، قام الملك فيصل بعدة زيارات لبلدان العالم الإسلامي، لكسب مؤيدين وأنصار لفكرة التضامن الاسلامي، وقد شملت رحلات الملك فيصل كثيرا من الدول الاسلامية، فقد قام برحلة إلى إيران عام 1965 وزار في طريق عودته دولة الكويت، وفي عام 1966 زار كلا من الأردن والسودان وباكستان وتركيا والمغرب وغينيا ومالي وتونس.
وفي إطار تفعيل التضامن الإسلامي أنشأ الملك فيصل عام 1972، الندوة العالمية للشباب الإسلامي لتحقيق التضامن بين المراكز الإسلامية والجاليات المسلمة في الدول غير الإسلامية وتقديم العون والمساعدة لهم.
وقد ظل الراحل يرعى التضامن الاسلامي ومؤسساته ويقدم كل ما يستطيع لتفعيل دورها والوصول بها الى المستوى المطلوب، وذلك حتى اغتياله يوم 25 مارس/آذار 1975.