الخرطوم / حسام بدوي / الأناضول
يعتز عموم السودانيين بإرثهم الذي يعود إلى حضارات، قامت على الجزء الشمالي من ترابهم، قبل آلاف السنين، لا سيما الحضارة النوبية، لكن المفارقة أن أعظم اكتشافات هذه الفترة تعود لعالم آثار سويسري، كرّس سيرته المهنية لـ"حفر" تاريخ السودان.
أكثر من خمس عقود أمضاها عالم الآثار المخضرم، شارل بوني، في التنقيب عن حضارات السودان التي تعود، على الأقل، إلى ثلاث آلاف عام قبل الميلاد، غير أنها لا تحظى على المستويين المحلي والدولي، بالاهتمام الذي تتمتع به نظيرتها المصرية.
وخلافا للنظرة السائدة، حول تبعية الحضارات التي قامت على الجزء الشمالي من السودان للحضارة المصرية، إلا أن مشروع بوني يرتكز بالأساس على إثبات العكس.
ويعتقد الرجل البالغ من العمر 84 عاماً، أن حضارة "كرمة" التي قامت شمالي السودان، "منفصلة تماما" عن الحضارة المجاورة في مصر.
ومستحضراً بدايات عمله بالسودان في 1965، قال بوني: "كنا في البداية نبحث عن آثار مصر في السودان، ثم ترسخت لدينا قناعة بأهمية تعميق البحث عن ماضي السودان الذي له دلالة كبرى لكامل القارة الإفريقية".
والشهر الماضي ترسخ هذا الاعتقاد عند عالم الآثار السويسري، باكتشافه ثلاث معابد، دائرية الشكل، على بعد كيلو متر واحد من منطقة كرمة، يعود تاريخها إلى 2000 – 1500 عام قبل الميلاد.
وفي مؤتمر صحفي عقده بالخرطوم لتسليط الضوء على اكتشافه، أوضح بوني أن "هذه الاكتشافات قد تغيّر فهمنا للتاريخ، فهي معابد مستديرة ليست لها علاقة بمصر أو السودان، ولا يوجد لها أي مثيل مشابه في العالم، ولا يزال تاريخها يكتنفه الغموض".
وفي تعليقه للأناضول، قال باحث الآثار السوداني، البروفيسور فتح العليم عبد الله إن "اكتشافات بوني أثبتت وجود حضارة منفصله عن الحضارة المصرية قبل 2500 ق.م".
ولا تقتصر حفريات الرجل السويسري على "استقلالية" الحضارة السودانية عن الحضارة المجاورة لها شمالا، بل يعود له الفضل في اكتشاف التماثيل السبعة لمن يعرفون بـ"الفراعنة السود" الذين حكموا من السودان، وكانت مصر تحت إدارتهم.
ولعب بوني دورًا محورياً في التعريف بمعبد الإله آمون، وكذلك معبد الإله الأسد أو (أباداماك) الذي يبعد حوالي 170 كيلو متر إلى الشمال الشرقي من الخرطوم.
ونبّه الأكاديمي السويسري الباحثين إلى أن (أباداماك)، إله الحرب عند النوبيين القدماء، كان رمزا للديانه المعارضة للآلهة الأخرى.
وفي العصر الحديث استخدم كثير من السياسين اسم (أباداماك) كرمز لمعارضة النظام السياسي.
ويعمل بوني حالياً على ترميم إهرامات "البجراوية"، وهي منطقة أثرية تمثل امتداد لحضارة كرمة، ضمن مشروع "أهرامات السودان"، المقدرة بـ 300 هرم.
و"أهرامات السودان"، خطة عمل تمولها الدوحة ضمن مشروع أوسع، تتبناه منذ 2013، لـ"حماية" الآثار السودانية، بكلفة 135 مليون دولار.
وبعثة بوني واحدة من 40 بعثة أجنبية، تستفيد من المشروع القطري الذي يفترض أن ينهي أعماله، العام المقبل.
وعادة ما يواصل هذا السويسري تنقيبه، بمعية فريقه المكون من 300 باحثا، خلال فصل الشتاء، لتجنب درجات الحرارة المرتفعة التي قد تصل 45 درجة مئوية.
وخلال عقوده الخمس التي أمضاها متنقلا في مناطق شتى من شمال السودان، أتقن بوني اللهجة النوبية، المتوراثة من تلك الحضارات القديمة، ولا يزال يتحدث بها السكان المحليين.
وفي إفادته للأناضول، قال المتخصص في علم اللغويات، محمد جلال هاشم، إن "مشكلة عدم وجود كتابات لحضارة كرمة لم تشكل عائق كبير أمام بوني".
وخلال مسيرته المهنية التي كرسها للتنقيب في آثار السودان، اكتشف العالم السويسري، قصر ملكي، ومعابد، ومقبرة في منطقة الديفوفة الشرقية، دُفن بها ملوك، وأزاحت الستار عن طقوس دفن يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد.
وبالنسبة إلى البروفيسور عبد الله فإن "حجم اكتشافات بوني لا تحصى بالأرقام إذ غالبا ما يقود كل اكتشاف إلى مجموعة اكتشافات جديدة".
وواحدة من الأفضال التي يدين بها علماء الآثار السودانيين لبوني، أنه أنقذ قطعا تعود إلى حضارة "نبتة"، وفترة حكم الملك تهارقا، المذكور في التوراة، وحكم من السودان حتى فلسطين.
وكانت هذه القطع مهددة بالغرق في ستينات القرن الماضي، عندما كانت مصر تشيد على مجرى نهر النيل، السد العالي، الذي تمتد بحيرته إلى داخل السودان.
وقتها، عمل الرجل بجهد ذاتي، وتمويل من حكومة بلاده، على مد خط سكة حديد من المناطق المهددة بالغرق، إلى الخط الرئيس على بعد ثلاث كيلو متر، لنقل القطع والتماثيل الأثرية.
وتزامن ذلك مع بدايات تنقيب الرجل في السودان الذي درجت حكومته على العمل مع البعثات الأجنبية وفق معادلة قوامها، 51 % من الآثار المكتشفة لصالحها، مقابل 49 % للبعثات، شريطة أن تُعرض القطع في المتاحف العالمية باسم السودان.
وبدأت اهتمامات بوني بدراسته الآثار المصرية في مركز الدراسات الشرقية بجامعة جنيف من 1961 – 1965، قبل أن يتقلد منصب نائب مدير الآثار بها في 1972، ثم مديرا للآثار ببلاده في 1980.
وفي 1975 حصل الباحث السويسري، على درجة الدكتوراة في علوم آثار القرون الوسطى، من جامعة ليون الفرنسية، ويرأس منذ 1977 بعثة جامعة جنيف في السودان.
ويتمتع منذ 1984 بعضوية وحدة الأبحاث الأثرية بجامعة ليل الفرنسية، المتخصصة في دراسة وسائل السكن للمجتمعات الحضرية في كل من مصر والسودان، للفترة ما بين 4000 - 1000 قبل الميلاد.
ونشر بوني عدداً من الأبحاث والمؤلفات حول الآثار السودانية، منها "كرمة الطوبوغرافيا والجغرافيا"و "كرمة- مملكة النوبة".
وطُبع له في 2005، بعد اكتشافه التماثيل السبعة، كتاب " فراعنة قدموا من إفريقيا" بالاشتراك مع دومينيك فالبيل.
ولرجل يستند عمله في الغالب على طرح الأسئلة قبل تقديم الحلول، وضع بوني أمام الباحثين، علامة استفهام، لا تزال عصية، بسؤاله عن مقابر الرعية؟ إذ كل المقابر المكتشفة تعود للملوك.
وهذا تساؤل قاد بعض رجال الدين للقول إن بناة الأهرام ليسوا بشراً، مستندين على النص القرآني، "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ".
لكن شارل بونيه الذي نذر حياته لتعريف البشرية بقسم "عظيم" من تاريخها، متحفز بالطبع، لتتويج سيرته المهنية، بالإجابة على سؤال طرحه بنفسه على نفسه.
news_share_descriptionsubscription_contact
