في مجمع الشفاء.. الأنين والدماء تروي حكاية "مجزرة غزة" (تقرير)
Moustafa Maged Haboosh
15 مايو 2018•تحديث: 15 مايو 2018
Gazze
غزة/ مصطفى حبوش/ الأناضول-
تتزاحم الدموع ومشاهد الدماء، وأصوات الصدور اللاهثة، والأنين الخافت في مجمع "الشفاء" الطبي بقطاع غزة، لتروي حكاية وجع يتجرعها آلاف "الثوار"، الذين نجوا من المجزرة الإسرائيلية بحق المتظاهرين على حدود غزة.
واستشهد 61 فلسطينيا وأصيب نحو 2770 آخرين، في مذبحة ارتكبتها القوات الإسرائيلية، أمس، بحق عشرات آلاف الفلسطينيين الذين تظاهروا قرب حدود غزة، إحياء لذكرى "النكبة" الفلسطينية، ورفضا لنقل السفارة الأمريكية بإسرائيل من تل أبيب إلى القدس.
تلك الحكاية تبدأ من بوابة المستشفى، فهناك شبان بلا أقدام يستندون إلى "عكاكيز" لجأوا إليها باكرا، ونساء لا يظهر من وجوههن إلى العيون المتورمة من كثرة البكاء على زوج أو ابن فارق الحياة شهيدا، ورجال لا يبدو على مُحَيَّاهم إلا القهر فشقيقهم الأصغر لن يشاركهم مائدة إفطار رمضان هذا العام فقد استشهد متأثرا بجراحه.
وفي داخل مستشفى "الشفاء"، وتحديدا بالطابق الثالث الذي يوجد فيه قسم "الجراحة والعظام"، لا يصمد طبيب أو زائر أو حتى صحفي قبل أن تنهار دموعه أمام تلك المشاهد الغارقة بالدماء والأنين، ففي كل غرفة هناك 4 حكايات لشبان وأطفال ونساء تمزقت أطرافهم أو أحشائهم بالرصاص الإسرائيلي المتفجر المحرم دوليا.
ولن تكون بحاجة إلى طبيب ليرشدك لغرف المصابين بالجراح الأكثر خطورة، فالدماء على أسرتهم وأصوات ألمهم، والدموع في عيون ذويهم كفيلة بذلك، ومن لا صوت له فهو فاقد الوعي في غرفة العناية الفائقة لا يسمح بزيارته.
في إحدى تلك الغرف، يستند رجل عجوز برأسه إلى حافة سرير يستلقي عليه نجله "عمر محمد"، والضمادات تلف يده وصدره وبطنه، وغطاء أبيض تتوزع عليه خمس بقع صغيرة من الدماء ينسدل على ساقيه المتورمتين.
وعلى الحافة الأخرى للسرير تجلس والدة الشاب، وتحدق في وجهه بعيونها المحمرة قبل أن تنهمر دموعها مجددا.
قاطعنا دموع الأم بالاستئذان للتصوير، والاستماع لحكاية الشاب الذي تحدث بصوت مخنوق عن شعوره بصعقة كهربائية في يده وصدره عندما أصابته رصاصة متفجرة، أمس، وهو في طريق عودته من منطقة السياج الحدودي بعد أن كثفت القوات الإسرائيلية من إطلاق النار وقنابل الغاز المسيل للدموع تجاه المتظاهرين.
وبعد تلك الرصاصة أو الصعقة الكهربائية، حمل المتظاهرون "عمر" على دراجة نارية قبل أن تتسلمه منهم سيارة الإسعاف وتنقله للمستشفى ليغيب عن الوعي هناك ويوقظه في فجر اليوم التالي ألم شديد في يده اليمنى وصدره وبطنه وساقيه.
لم يكمل "عمر" حديثه فذلك الألم الذي يشبه الشعور بسكاكين ملتهبة تمزق الجسد بعنف، عاد مجددا وبدأ يرتعش ليسرع الأطباء بتفحص إصابته وحقنه بالمسكن، ليخفت بعد دقائق صوت ألمه وينغمس في نوم عميق.
وعلى بعد خطوات من غرفة "عمر"، على الجانب الآخر من قسم الجراحة، حيث ترقد العشرات من الشابات المصابات، لا تخلو الممرات من ممرضات يتنقلن مسرعات بين الغرف وهن يحملن الشاش الطبي والقطن والأدوية، وأمهات تخفق قلوبهن فزعا من مصير مجهول تواجهه بناتهن الجرحى، وصحفيين يحاولن نقل كل ذلك.
ولا يمكن لمعاجم اللغة أن تنجح بوصف ما يحدث في غرف الجريحات، ولكن لا بد من محاولة، فإلى جانب نافذة إحدى الغرف تستلقي الشابة "تهاني" على سريرها، ولا تتوقف عن طلب الماء لتروي ظمأها، بصوت لا يكاد يسمع.
ولكن الأطباء منعوا عنها الشراب فالرصاصة الإسرائيلية المتفجرة التي أصابتها مزقت معدتها وطحالها وجزء كبير من الكبد.
وإن توقفت "تهاني" عن طلب الماء، فذلك لصوت أنين يطلقه لسانها رغما عنها، فالألم يسري بأنحاء جسدها كاللهب، كما تقول والدتها مريم.
إلى جانب "تهاني"، التي منعتنا دموعنا من الحديث معها، ترقد الطفلة "بيان" التي نجت بأعجوبة من الموت بعد أن أصيبت بشظايا رصاصة متفجرة في رأسها، وظنت زميلاتها في ميدان التظاهر، أنها استشهدت وغطوها بالكفن.
"بيان" رفعت حينها، الكفن عن وجهها بصعوبة قبل أن تفقد الوعي، ليدرك الأطباء أنها ما زالت على قيد الحياة وينقلوها من الحدود الشرقية لمدينة غزة إلى المستشفى.
ومنذ أن استيقظت الطفلة الفلسطينية (17 عاما) ووجدت نفسها على سرير المستشفى، وصداع يلازمها ويكاد يفجر رأسها من شدته، كما تقول.
لم يكن حديثنا مع "بيان" طويلا، فمعالم الألم البشعة على وجهها كانت كافية، كما أن ازدحام غرفتها بالأطباء والزوار أجبر فريقنا على المغادرة.
وفي طريق العودة، كان البعض من ذوي الجرحى يستندون إلى حواف النوافذ المطلة على حديقة المشفى، منفردين، فمنهم من غلبته دموعه فأراد أن يخفيها، وآخرون كان المشهد من أعلى، هو متنفسهم الوحيد بعد 24 ساعة من المكوث بين مشاهد الدماء وأصوات الأنين.