???? ????
18 فبراير 2016•تحديث: 18 فبراير 2016
منير منير/ الأناضول
برحيل محمد حسنين هيكل، فقد التاريخ العربي الحديث واحداً من أهم وأكبر أعمدته، وجزءاً مهماً من ذاكرته التي تابعت وأرخت لتاريخها الممتد من الحرب العالمية الأولى، مروراً باتفاقية "سايكس بيكو"، وانتهاءً بكل الحروب التي خاضتها دولها وشعوبها مع إسرائيل منذ عام 1948، وصولاً إلى حرب 73 وزيارة الرئيس السادات لإسرائيل عام 1977، وما أعقب ذلك من توقيعه لاتفاقية السلام معها برعاية أمريكية في عهد الرئيس جيمي كارتر.
هيكل الذي رحل بالأمس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، مثَل بقربه من الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، دور مؤرخ مرحلة ما بعد ثورة يونيو 52، وبزوغ تيار القومية العربية التي روَج لها عبد الناصر وحمل لواءها.
وخاض في سبيل الدفاع عن هذا التيار الكثير من المعارك الصحفية، وألف العديد من الكُتب التي أرخت لتلك الحقبة التي تهاوت أركانها بموت عبد الناصر في سبتمبر (1970)، وكان قد عينه قبيل وفاته، وزيراً للإرشاد القومي (الإعلام) في ذات العام.
كما دفع ثمناً غالياً لمواقفه ضد حُكم أنور السادات برفضه الصريح لزيارته لدولة إسرائيل وتوقيع اتفاقية السلام معها، حيث قبع مع 1500من الشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية في السجن ليفرج عنهم الرئيس حسني مبارك بعد اغتيال السادات.
ظل هيكل الذي ترأس هيئة تحرير صحيفة الأهرام لفترة طويلة، قريباً من "كابينة" صُنع القرار في أروقة السياسة المصرية، متابعاً لأدق أسرار العلاقات المصرية والعربية ومؤثراً فيها بطريقة أو أخرى، حيثُ كان مقاله الأسبوعي الشهير بالصحيفة "حديث الأربعاء" ثيرمومتراً دقيقاً لقياس ردود الأفعال على الأحداث السياسية في المنطقة.
وخاض بكتاباته في تلك المرحلة معارك شرسة مع أنظمة عربية وسياسيين وصحفيين ومعارضين لتوجهاته المدافعة والمروجة للفكر القومي العربي في محيط تتنازعه تيارات عاتيةٌ وأمواج صاخبةٌ وصراعات سياسية متقاطعة.
ولهيكل مقولةٌ مشهورة هي: (على الصحفي أن يختار بين أن يكون قريباً من "الرأس" أو من "الذيل") ويعني بذلك أن يكون مصدر معلوماته وقاعدة مواقفه ومبادئه هو (صانع القرار / الرأس)، أو المتلقي والمتابع /الذيل) وهو رجل الشارع العادي !
كتب هيكل خلال مشواره الصحفي الطويل العديد من الكتب والمؤلفات باللغتين العربية والانجليزية مثل "خريف الغضب" الذي تعرض فيه بالنقد للرئيس السادات، فرد على عليه الأخير بكتابه " البحث عن الذات"، وكتابه الآخر" مدافع آيات الله" الذي تنبأ فيه بمآلات الثورة الإيرانية في بداية عهد الخميني. وكذلك كتبه "حرب الخليج" و"وقائع تحقيق أمام المدعي الاشتراكي" و"بين الصحافة والسياسة" وغيرها.
أخذت هذه المؤلفات نصيبها من القراءة والنقد والتحليل والتعليق وربما "الشتم"، غير أن هذا لم يثنه عن المضي في الطريق الذي اختاره فظل صامداً على مواقفه، وهو ما خلق له الكثير من الأعداء والخصوم سواءً على الساحة السياسية أو الصحفية، حتى أن كاتباً كبيراً مثل أنيس منصور قال عنه " إن عبد الناصر هو صنيعة هيكل .. كما أن هيكل صنيعة عبد الناصر" !
ولعل هيكل من ضمن القلة القليلة من الصحفيين العرب الذي حازوا على ثقة ورضاء بعض أشهر الصُحف الغربية فاعتمدته بعضها كاتباً للرأي تنقل عنه آراؤه وتحليلاته السياسية عن المنطقة العربية برمتها، لكونه قريباً من موقع الأحداث وداخل "عين العواصف" الهوجاء التي لا تهدأ في الشرق الأوسط، والأهم من ذلك قربه وتأثيره على صانع القرار المصري بحكم موقعه وحجمه الصحفي.
وختاماً، فرغم اختلاف الناس على هيكل الصحفي والسياسي بين مؤيد لأفكاره ومواقفه، وآخر معارض لها، سيبقى الرجل جزءًا مهماً من ذاكرة الأمة والصحافة العربية معاً، فأفكاره ملكٌ له، ومواقفه تُعبر عن قناعاته ومبادئه التي لم يَِحِدْ عنها، ويبقى فكره وقلمه وعُمق رؤيته وتحليلاته لأحداث عقود طويلة بمقام "شاهد على العصر" كما يقولون.