اسطنبول/محمد براء محمد/الأناضول
لو تأخرت وفاة السلطان العثماني "عبد الحميد" الثاني؛ ورحل في موعد غير 10 شباط/فبراير 1918؛ ربما كان حزنه سيتضاعف، وأنا شخصياً مسرور لأنه لم يشهد بأم عينيه سياسات الاتحاد والترقي التي أذابت الامبراطورية العثمانية وأزالتها في نهاية المطاف.
لقد قال الخاقان العظيم (السلطان): " إذا سقطت سلانيك تسقط الامبراطورية " - في أثناء مغادرته المدينة التي نفي إليها - حيث جرى إخراجه وأسرته من سلانيك أولاً؛ بسبب احتمال سقوطها في حرب البلقان.
سقطت سلانيك ومن ثم البلقان؛ تم اقتطاعها قطعةً قطعةً من الامبراطورية التي سقطت في النهاية مثلما قال السلطان.
لقد خضع عبد الحميد للإقامة الجبرية في قصر "بَيلر بَيي" باسطنبول، ليواصل حياة المنفى ويستكمل أيامه الأخيرة، حيث شعر بألم عميق؛ جسّده في قطع الأثاث التي صنعها بيديه كالطاولة والخزانة وغيرها، إذ أخذ ينطوي على ذاته بشكل أكبر وانقطع عن العالم.
عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، ربما لم يكن حتى لديه علم باقتطاع الأراضي البالغة 5 مليون متر مربع؛ والتي كان يحميها مثل عينيه.
وعندما جاء موعد 10 شباط من عام 1918 انتهى منفاه في هذه الدنيا وانتقل إلى العالم الأبدي. حمداً لله أنه لم يشاهد ذلك الانهيار المخزي، فلو شاهد سقوط الحجاز وسمع صرخة فخر الدين باشا في المدينة المنورة "لا أستطيع التخلي عن سيدنا الرسول"؛ بم سيشعر يا ترى؟
كيف كان سيتحمل مشاهدة سقوط القدس؟ وتضحيات طلاب كليات الطب والسياسة التي أنشأها إبان حرب "تشاناق قلعة" إذ ضحوا بأرواحهم؟ ونبأ زوال كافة الكوادر المؤهلة في الإمبراطورية؟.
بالتأكيد لما كان تحمل على الإطلاق العلم بأيٍّ من تلك الأحداث، وخاصة رؤية احتلال السفن البريطانية لمضيق البوسفور الرائع في اسطنبول؛ تلك المدينة التي اتخذها أجداده عاصمة لدولتهم طيلة 400 عام.
لقد كان لدى عبد الحميد همّ يشغل باله مما دفعه للقيام بخطوات عديدة؛ بيد أن أحداً لم يرد فهمه، فبينما كان الأعداء يتربصون بالإمبراطورية العظيمة - لافتراسها وتقسيمها - كان منتقدو طريقة إدراته للدولة لا يَعُون العالم حولهم.
أما الآن فنفهم جيداً لماذا قاوم أعواماً من أجل الأراضي الفلسطينية التي لم يتخلى عن شبر منها، أليس كذلك؟
وعلى الصعيد التقني فقد خلّف السلطان فترة حكم رائعة؛ حيث قام بتحديث الإمبراطورية طوال 32 عاماً، كما حقق الوحدة في العالم الإسلامي. لقد أجرى إصلاحات في عشرات المجالات بدءاً من الفن والعمارة وانتهاءً بالجيش والتعليم.
كما أنجز السلطان ثورة في عالم المواصلات؛ وربط بين طرفي الإمبراطورية عبر خط الحجاز الحديدي، وأسس مؤسسة التلغراف والبريد، ونشر استخدام الهاتف، وتمت صناعة أول غواصة بحرية - بنجاح - على مستوى العالم.
وفي عهده جرت أكبر حملة تعليمية في تاريخ الدولة العثمانية، وأُنشئت مؤسسات التلغراف، فضلاً عن استخدام "الترام"، وبناء مستشفيات في دمشق وطرابلس الغرب، ومشاريع أخرى لا يتسع المقال لذكرها.
وعند النظر إلى ناحية أخرى من التاريخ، نرى أنه تم الصاق صفة "السلطان الأحمر" به، ووُصف عهده "بالاستبداد"، وتعرض لسيل من الإهانات غير المسبوقة في مقالات الهجاء ورسوم الكاريكاتور بالصحف الصادرة في تلك الحقبة.
لقد ألصق كاتب فرنسي - يدعى "ألبرت فاندال" - صفة "السلطان الأحمر" بالسلطان عبد الحميد؛ لكنَّ كُتاباً في الداخل استخدموا هذا الوصف بحماس أكبر.
أثناء زيارتي لقصر "بَيلر بَيي" وتجولي في الغرفة التي أرغم السطان على البقاء فيها، حاولت أن أفهمه وأنا أتمعن في قطع الأثاث الرائعة التي صنعها بيديه.
لنتصور بأنكم حققتم نجاحات باهرة في إمبراطورية وتركتم أثاراً رائعة، ومن ثم تتعرضون للإهانة عبر إطلاق صفة "السلطان الأحمر" عليكم، كما ولم تخسروا أي قطعة أرض طوال 32 عام من حكمكم للإمبراطورية؛ في حين سيتم خسارة كل أراضيكم خلال 10 أعوام فقط من قبل الذين أطاحوا بكم بانقلاب عسكري، ستتعرضون للافتراءات من قبل الأقلام الخائنة التي تكتب التاريخ.
أعتقد أن رئيس الوزراء أردوغان - في هذه الآونة - يعي أكثر من أي شخص آخر؛ المأساة والحالة الروحية التي عاشها الخاقان العظيم السلطان عبد الحميد.