اسطنبول/ أحمد الأسطل/ الأناضول
منذ انطلاقتها الأولى، وقفت الدولة التركية إلى جانب الثورة السورية بكل إمكاناتها، ودعمت مطالب الشعب السوري وحقوقه وحرياته. وفي بدايات الثورة، تواصل رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان أكثر من مرة مع بشار الأسد لحثه على الاستجابة لمطالب شعبه، إلا أن الأخير اختار طريق المواجهة الدموية.
شهدت الثورة السورية، وهي تقف اليوم على أعتاب العام الرابع، الكثير من المحطات الفارقة في مسيرتها. وطوال تلك المسيرة، كان للحكومة التركية مواقف واضحة في دعم الشعب السوري وإدانة نظام الأسد بكل قوة، بصورة أصبحت فيها الأزمة السورية "مسألة تركية" في الكثير من جوانبها، نظرا لاعتبارات الجغرافيا السياسية والسياسة الجغرافية المشتركة لسوريا وتركيا.
لذلك، فإن ما يحكم طبيعة العلاقة بين الحكومة التركية والثورة السورية معياران. الأول: القيم الإنسانية التي توليها تركيا اهتماما كبيرا وتتعامل معها بجدية وحساسية بالغة، على خلاف مواقف دول كثيرة تدعي دفاعها عن القيم الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي لا تكترث اليوم لمسلسل المآسي السورية التي لا تتوقف. أما الثاني، فهو: المصالح الوطنية التركية البحت.
لذلك، فإن انعقاد مؤتمر جنيف 2 يشكل، لتركيا، إنجازا دبلوماسيا مهما في إطار المعيارين السابقين. من هنا، كان للدبلوماسية التركية دورا مركزيا في التحضير للمؤتمر، من خلال ما أسماها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو "جولة إقناع" المعارضة السورية المشاركة في المؤتمر، والتي كانت قد عبرت أنها لن تحضر المؤتمر على خلفية دعوة تم توجيهها لإيران لحضور المؤتمر. الحضور التركي في المؤتمر كان جوهريا أيضا، من خلال كلمة وزير الخارجية داود أوغلو في جلسة المؤتمر الافتتاحية، والذي أكد فيها على المواقف التركية الثابتة من الثورة السورية، مشددا أن جنيف٢: "ليس مسرحية، بل يجب أن يتناول تطبيق مقررات جنيف١، للوصول إلى حل سياسي في البلاد، مؤكدا على وجوب محاسبة الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا".
وأعلن داود أوغلو، أن تركيا تدعم عملية سياسية، تنتهي بتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية، داعيا إلى محاسبة مرتكبي الجرائم من النظام، وعلى رأسهم "الأسد"، في وقت لفت فيه إلى ضرورة وحدة سوريا، وسيادة القانون، فيها والمساواة بين الجميع".
وفي الجانب الإنساني، تحدث داود أوغلو بتأثر واضح قائلا: "قابلت رضيعة تسمى نور في المخيمات، ولدت قبل ايام، بعيدة عن وطنها، وكانت واحدة من بين أكثر من ٨ آلاف ولدوا في مخيمات اللجوء، وكانت تصرخ باكية، أوجاعها لن تنتهي إلا في العيش الكريم في بلادها، فيما الطلفة حورية في المستشفى، معاقة بانتظار أطراف صناعية، بعد أن تحطم مستقبلها".
وأضاف داود أوغلو: "هناك جيل فُقد، والبنية التحتية تضررت، وتعززت الطائفية، وغادر ملايين السوريين وطنهم للبحث عن ملجأ في دول الجوار، هناك نحو٧٠٠ ألف لاجئ في سوريا، تستضيفهم تركيا". ودعا رئيس الدبلوماسية التركية، المشاركين في المؤتمر إلى اتخاذ ما يلزم لدعم قوة سوريا، وهو ما سيضمن أمننا أيضا، وسيحقق الديمقراطية ويهزم الطغيان".
من جانبه، رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان أدلى بتصريحات في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي ورئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو خلال زيارته الحالية إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، قال فيها:" إن تركيا لها حدود مع سوريا بطول 911 كم، ولذلك فإن التطورات الأخيرة في سوريا مزعجة للغاية بالنسبة لتركيا. وأضاف: "أرغب في أن أؤكد مجددا على الأهمية البالغة لمؤتمر جنيف.. ينبغي على الإنسانية أن يكون لها رد فعل حيال ذلك .. ويجب عليها ألا تنتظر، ولا بد أن تتخذ الخطوات اللازمة في سبيل المضي قدما في المساعدة على إنهاء الأزمة السورية."
الاهتمام التركي بمؤتمر جنيف 2 لم يتوقف عند الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الحكومة التركية ووزارة خارجيتها فقط، وإنما كان لوكالة الأناضول للأنباء دورا إعلاميا مؤثرا، عندما نشرت قبيل المؤتمر قسما من صور التعذيب في سجون الأسد، والتي أظهرت مدى الوحشية في التعذيب المفضي إلى الموت الممارس في هذه السجون. الأناضول بعرضها الصور، حققت أمرين رئيسيين. الأول: توجيه الرأي العام الدولي لحجم المأساة الإنسانية في سوريا بغية حث المجتمع الدولي لاتخاذ موقف قوي من نظام الأسد، وهو ما تحقق بالفعل. أما الأمر الثاني، فهو عدم السماح للنظام السوري بتوجيه مؤتمر جنيف لما يسمى "الحرب على الإرهاب"، وتركيز الجهود والمناقشات حول الوضع الإنساني، وهو ما تحقق أيضا، بالنظر للاتفاق العام بين أطراف المؤتمر بضرورة ألا يكون الأسد، جزءا من مستقبل سوريا السياسي.
أخيرا، فإن انعقاد مؤتمر جنيف 2 ليس إنجازا دبلوماسيا فقط للدولة التركية، وإنما رهان أيضا على أن يعود بالدبلوماسية التركية لسياسية "صفر مشاكل" على الصعيد الداخلي والخارجي التي طرحها وزير خارجيتها المخضرم، أو أن يقود جنيف2 إلى تفجير الخلافات بالجملة في عموم المنطقة.. هذا ما سنتناوله في وقفات قادمة!