تيم ريد*
القاهرة – الأناضول
استطاعت تركيا أن تؤمّن لنفسها مكانًا بارزًا كنقطة بيع فريدة من نوعها كدولة أوروبية، بالإضافة إلى سعيها كي تكون سوقاً آسيوية ناشئة ذات مركز تجاري قوي جداً في الشرق الأوسط. وتتمتع تركيا بالطموحات ولديها القدرة والإمكانات وقد بدأت التنفيذ فعلاً.
وبالنسبة لدولة قضت معظم القرن العشرين وهي تسعى للحصول على موافقة الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه ويتم رفضها، فقد قضت أيضاً معظم هذا القرن وهي تعيد اكتشاف العلاقات التجارية القديمة مع دول الجوار في الشرق و أثبتت هذه السياسية حمكتها وفائدة كبيرة خصوصاً في الفترة التي كانت تعاني فيها أوروبا من إجراءات تقشفية جراء الأزمة المالية العالمية وبينما استطاع سعر 100 دولار لكل برميل من النفط تحقيق ازدهاراً اقتصادياً في الدول العربية الغنية بمصادر الطاقة.
لقد مرت علاقة تركيا بدول الشرق الأوسط من الناحية التاريخية بفترات من التعارض والتناقض وفترات أخرى من التعاون والشراكة إلا أنه اعتراها في الغالب طبقة من عدم الثقة المنبثقة من كلا جهتي الجوار التي يبدو بأنه قد تم وضعها جانباً لترتسم كأنها حالة من العلاقة الودية- على الأقل في الوقت الراهن.
لقد نتج عن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن تنأى بنفسها عن العالم العربي في السابق إلا أن الموقف التركي منذ عام 2001 تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تغير بشكل دراماتيكي. فلقد تبنت الحكومة التركية سياسة العمل الفاعل في شؤون الشرق الأوسط والذي أوصلها إلى مركز جعل منها لاعباً اقتصادياً أساسياً في المنطقة.
وشهدت الاستثمارات التركية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نموًا كبيرًا، حيث ارتفعت من 5 مليارات دولار إلى ما يزيد عن 34 مليار دولار في أقل من عقد من الزمان، وهي مدة تضاعف فيها دخل الفرد ثلاث مرات على غرار النمو الاقتصادي على طراز النمر الآسيوي.
وبلغت التجارة المتنامية لدى تركيا مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الآن حوالي خمس التجارة الخارجية التركية و12 مليار دولار أمريكي أو 7,5% من الاستثمارات الخارجية المباشرة في تركيا- وتأتي هذه التجارة مدفوعة من قبل القطاعات الاعتيادية: الانشاءات والمركبات والمواد الغذائية والأقمشة.
إن حجز الزاوية في السياسة التركية والذي عرفه وزير الخارجية بـ "صفر مشاكل مع الجيران" قد حقق مكافآت مجزية على مدى السنوات الخمس الماضية حيث أبرمت الشركات التركية عقوداً بقيمة تقارب 20 مليار دولار أمريكي مع بعض أكبر أنظمة الإنشاءات في منطقة الخليج. وتشتمل هذه الصفقات على عقد بقيمة 2,1 مليار دولار حققته شركة يابي ميركزي (Yapi Merkazi) للعمل على شبكة الحرمين لخطوط القطارات السريعة في المملكة العربية السعودية وعقد بيتور (Baytur) بقيمة 800 مليون دولار للعمل في جامعة الملك خالد في المملكة العربية السعودية.
ولعل أفضل الأمثلة التي تبرهن على تلك الشراكة الإقليمية الجديدة هو ما حدث في شهر يونيو الماضى، حينما قادت شركة تاف إنسات (TAV Insaat) التركية ائتلاف شركات يضم اثنين من أكبر المقاولين العرب وهما أرابتك القابضة وشركة اتحاد المقاولين والذي تمكن من الحصول على عقد بقيمة 3 مليارات دولار لبناء الصالة الجديدة في مطار أبو ظبي الدولي، وهو أكبر عقد إنشائي يتم طرحه على الإطلاق في الإمارات.
يتمتع المقاولون الأتراك ببعض المزايا عند المنافسة في سوق دول مجلس التعاون الخليجي، أمام عدد من أكبر الشركات المرموقة العالمية والإقليمية، فلديهم بعض الشركات ذات القدرات والإمكانيات والتي تتمتع بالجودة وذات أداء جيد مقارنة بمنافسيها من الشركات العالمية ولكن بأسعار أرخص. وما يدعم ميزة الاقتصاد في التكلفة هو الموقع الجغرافي والقرب الثقافي.
شهد تأثير الثقافة التركية على العالم العربي طفرة في السنوات الأخيرة، وهو ما ساعد على تعزيز صورة تركيا بالنسبة للمواطن العادي في منطقة الشرق الأوسط. حيث ازدادت شعبية الدراما التركية على نحو كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدءاً من المغرب وحتى العراق، ما جعل الملايين من العرب يتوقفون عن ممارسة كافة أنشطتهم اليومية لمتابعة أحدث حلقات المسلسلات مثل "حريم السلطان" و"فاطمة".
حتى أن ثورات الربيع العربي وما صاحبها من اضطرابات وقلاقل، وسقوط الحكومات على مدار الثمانية عشر شهر الأخيرة في العديد من الدول العربية، لم يوقف مشاركة تركيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بل على العكس، فلقد أتاح ذلك للشركات التركية التعبير عن التزامها المستمر والمتواصل نحو شركائهم في المنطقة.
وكانت النتيجة هي أن المصدرين الأتراك تمكنوا بسرعة من العثور على قنوات جديدة إلى أسواق الخليج الرائجة - حيث غادرت أول سفن البضائع من تركيا في نهاية أبريل وهي تقل البضائع التركية إلى دول الخليج عن طريق مصر.
استطاعت الشركات التركية عن طريق استخدام مصر كمركز لوجستي التعزيز من صادرتها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتسعى تركيا في الوقت الحالي إلى إقامة مركز لوجستي لها في الإسكندرية للسماح للمصدرين الأتراك بمواصلة التوريد إلى منطقة الخليج وأفريقيا. وتفكر الحكومة بالإضافة إلى ذلك في الوقت الراهن في إقامة مركز لوجستي ثاني بالقرب من الحدود الليبية.
تعد تركيا واحدة من أكبر مستوردي الطاقة، حيث تستهلك بترول وغاز بقيمة تصل إلى 60 مليار دولار أمريكي في العام الواحد، وهو ما يمثل ثلثي العجز الحالي في الدولة. ولذلك فقد أصبح تأمين الطاقة مكوناً أساسياً في السياسة التركية، وهو ما قاد تركيا إلى دعم عدد من المشاريع مثل خطوط الأنابيب المقترحة لتصدير البترول والغاز من كردستان في العراق، وهو ما يعزز الحاجة إلى دعم العلاقات التجارية مع جيران تركيا في منطقة الشرق الأوسط للحصول على احتياجاتها من المواد الهيدروكربونية.
ومن المتوقع أن تزكي الطاقة تلك الشراكة الأخيرة، حيث تقدم تركيا للدول العربية المصدرة للبترول بديلاً رائعاً للطرق البحرية غير الآمنة، حيث أن ذلك العدو العثماني القديم يقع في ملتقى طرق تجارة الطاقة العالمية. ونظرًا لمرور الناقلات عبر مضيقي البوسفور والدردنيل، احتلت تركيا موقعًا بارزًا على طريق مرور البترول ما بين الشمال والجنوب، أضف إلى ذلك خطوط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان وخطوط أنابيب باكو – تبليسي – إرزوروم، إلى جانب البترول القادم من العراق وهو ما يجعل تركيا طريقاً هاماً لنقل البترول ما بين الشرق والغرب.
....................................................................................................
*المدير الإقليمي للخدمات المصرفية التجارية، HSBC الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
