اسطنبول/محمد براء محمد/الأناضول
في النصف الثاني من القرن الثاني عشر... جزء هام من منطقة الأناضول وبلاد الشام تحت الاحتلال الصليبي... فيما أراضي بلاد الشام غير الخاضعة للاحتلال كانت ممزقة.
كانت هناك إمارات عديمة البصيرة متعاونة مع الصليبيين، ضد بعضها البعض في تلك الأراضي، وديكتاتوريات تضطهد شعوبها، وتبيع أوطانها، إلا أن نور الدين محمود زنكي، قضى عليها بوسائل شتى، فوحد بلاد الشام، وأسس الوحدة مع مصر.
لقد كانت بداية هذه المرحلة مثيرة للدهشة، بدأ كل شيء بالرسائل التي أرسلها زنكي للشعوب في تلك المناطق، وكانت تركز على الحاجة للوحدة، لتخليص الأراضي الاسلامية، من الاحتلال والاستعمار.
كانت تقرأ الرسائل في المساجد، والتكايا، والمقاهي، والأسواق بصوت مرتفع، ويسري مفعولها في قلوب الشعوب، لقد برزت عاليا موجة من العمق، لم تستطع أنظمة البغي مقاومتها، وأخذت تضعف بفعل حصار نورالدين محمود زنكي، وضغط رعيتهم.
وساهم تأسيس نظام عادل في كل شبر من الأراضي التي سيطر عليها زنكي، في تسريع مرحلة الوحدة، عبر مشاعر الإعجاب حيال إدارته، لدى المسلمين في بقية المناطق، فيما لعب السلاح دورا ثانويا في هذه المرحلة، فقد كان المهم هو الأرضية العاطفية، وفي نهاية المطاف سقطت الإدارات الخائنة، وتحققت الوحدة.
إني أشّبه ما يفعله رئيس الوزراء أردوغان، برسائل نور الدين محمود زنكي، عندما سلط الضوء على الديكتاتوريات في العالم الإسلامي، أثناء تصفية الحساب مع الديكتاتورية في تركيا، فضلا عن موقفه في حادثة "وان مينت" في دافوس، تجاه الرئيس الإسرائيلي، ومواقفه المتحدية للدول الغربية، ودعوته لدول المنطقة لرصف الصفوف.
إن هذه المواقف تلقى صدىً كبيرا في العالم الاسلامي والدول العربية على وجه الخصوص، وتبث رياح الصحوة، وباتت تركيا في ظل قيادة أردوغان، تمثل سندا سياسيا لشعوب المنطقة، عبر طرحها منظور الحرية والعدالة، والوحدة الاقليمية.
أعتقد أن لهذه الظاهرة تأثير في الثورات العربية، إلى جانب عوامل كثيرة. كما أن كافة المؤامرات، والهجمات والانقلابات ضد الحكومات الاسلامية، التي وصلت عبر الثورات أو التي يخشى من وصولها، متعلقة بشكل مباشر بمنظور الحرية والعدالة والاتحاد الاسلامي.
بالطبع الدول الغربية واسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي، وستفعل ما بوسعها لإيقاف مسيرة الثورات، وعكسها رأسا على عقب، وأحيانا سيكسبون مواقع، وربما ستكون كثيرة بحيث نشعر حينها وكأن ظهرنا ينقصم، لكن ينبغي أن لا ننجرف وراء هذا الشعور الذي هو وسوسة الشيطان، ويجب أن نلجأ إلى الله.
مهما كانت الظروف ينبغي ألا نستسلم لليأس،على الإطلاق، وألا نتخلى عن القضية، ويجب مواصلة نضالنا في سبيل الحرية، والعدالة، والاتحاد الاسلامي، في كافة الأحوال.
يجب أن نفعل ما يلزم لكي تواصل تركيا القول :"أنا موجودة"، حتى لو لم يبقى أحد في الساحة.
فعندما نتحدث عن العالم الإسلامي، فإننا نتكلم عن عالم مبارك حقق أكبر الانتصارات من قلب الهزائم، وأنجز أعظم مشاريع الوحدة، بعد أكبر الصراعات بين الأشقاء، وكرر ذلك مرارا، وانتفض من تحت الرماد.
من كان يظن أن نورالدين زنكي سيأتي ويوحد بلاد الشام؟
من كان يظن أن آل عثمان الذين لم يكن يحسب لهم حساب، سيوحدون منطقة الأناضول، ويجعلوها قلب إمبراطورية عظيمة ممتدة من اليمن حتى بلغراد، بعدما كانت مسرحا للحروب بين الدول التركية.
وحتما سيأتي يوم تنتهي فيه فترة الجمود هذه.
الله أكبر ولله الحمد