واشنطن / قاسم إيلري / الأناضول
شهدت العلاقات التركية الأمريكية عام 2016 تأزماً وتوتراً في عدد من القضايا بسبب دعم إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لتنظيم "ب ي د/بي كا كا" الإرهابي في سوريا، والتلكؤ في إعادة تسليم زعيم تنظيم "فتح الله غولن" الإرهابي المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.
وزادت الولايات المتحدة خلال هذا العام من دعمها لذراع منظمة "بي كا كا" الإرهابية في سوريا "ب ي د"، والجناح العسكري للأخير "ي ب ك"، ما أدى إلى زيادة التوتر في علاقات أنقرة وواشنطن.
ووجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي، انتقادات شديدة للإدارة الأمريكية حول دعم واشنطن لهذه المنظمات الإرهابية، فضلا عن دعم تنظيم "داعش" الإرهابي.
وعلاوة على ذلك، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، قبل أيام، إن "الولايات المتحدة تدعم تنظيم (ي ب ك) بالسلاح ونقطة"، وذلك ردًا على بيان لسفارة واشنطن في أنقرة، قالت فيه إن "الولايات المتحدة لا تدعم (ي ب ك) بالسلاح ونقطة"؛ الأمر الذي تسبب بزيادة التوتر بين البلدين.
وبالرغم من أن سجالات دعم أو عدم دعم "ب ي د" بالسلاح ظهرت مؤخرًا بين البلدين، إلا أن توقيت بدء تسليح الولايات المتحدة لهذا التنظيم الإرهابي يعود إلى فترة أقدم.
وفي إطار هذا الدعم، قام طيران التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي، بقيادة واشنطن، بإمداد تنظيم "ب ي د/بي كا كا"، وجناحه العسكري "ي ب ك" بالأسلحة والمعدات العسكرية للمرة الأولى نهاية عام 2014، عندما تعرضت مدينة عين العرب (كوباني) شمالي سوريا لحصار عناصر "داعش".
وبحجة مكافحة "داعش"، انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة تسليح "ب ي د" إلى مرحلة تدريبه بشكل منتظم نهاية 2015.
وبعد أسابيع على بداية التدريبات، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون)، إطلاق مرحلة جديدة من برنامج التدريب والتجهيز ضد "داعش"، وأوضحت أنها ستزود مجموعات تتيقن من أمرها بالسلاح والعتاد بهدف قتال التنظيم.
وبالتزامن مع الخطوة التي أقدم عليها البنتاغون، أعلن "ب ي د" الإرهابي تشكيل تحالف باسم "قوات سوريا الديمقراطية" يتشكل من مجموعات صغيرة.
وإلى جانب ذلك، أعلن أوباما نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2015، عزم بلاده نشر وحدة قوات خاصة تتألف من 50 شخصًا، بهدف إخضاع مجموعات مقاتلة ضد "داعش" للتدريب التكتيكي.
أما موقف السياسيين الأمريكيين من انتقادات تركيا لبلادهم، فكان دومًا على شكل أن "واشنطن تدعم مجموعة باسم التحالف العربي السوري الذي يقاتل داعش تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية".
غير أن القوات المحلية في سوريا لم تكن تعلم ببنية هذا "التحالف العربي السوري".
ومع إرسال أوباما، مبعوثه الخاص إلى سوريا "بريت ماكغورك"، وزيارته لمعسكر لتنظيم "ب ي د" في عين العرب، في فبراير/شباط الماضي، أضافت الإدارة الأمريكية واحدة جديدة من تناقضاتها في سوريا.
ولقيت هذه الزيارة استياء كبيراً من تركيا؛ إذ دعا أردوغان الولايات المتحدة الى الاختيار بين دعم المنظمات الإرهابية (في إشارة إلى ب ي د) أو الوقوف إلى جانب حليفتها في حلف شمال الأطلسي أي تركيا.
وفي أبريل/نيسان الماضي، اعترف وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر بتقديمهم الدعم لتنظيم "ب ي د" الإرهابي، وأن الأخير يعتبر امتدادًا لمنظمة "بي كا كا" الإرهابية، وذلك بعد إصرار السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، على أخذ جواب من كارتر حول الموضوع خلال اجتماع للكونغرس.
وفي 19 مايو/أيار الماضي، عاد "ماكغورك" وزار معسكرات للتنظيم الإرهابي مرة ثانية في سوريا، ليثبت بذلك دعم إدارة أوباما لتنظيم "ب ي د/بي كا كا".
وفي الصيف الماضي زار جوزيف فوتيل، قائد القيادة الوسطى بالجيش الأمريكي، معسكرات "ب ي د" في سوريا، وهو يعتبر صاحب أعلى رتبة عسكرية أمريكية زار معسكرات هذا التنظيم الإرهابي.
** عملية درع الفرات
في الوقت الذي لم تبخل واشنطن بدعم تنظيم "ب ي د" الإرهابي، فإن دعمها كان محدودًا لعملية "درع الفرات" التي أطلقتها وحدات من الجيش التركي ضد "داعش" الإرهابي، بالتعاون مع قوات الجيش السوري الحر يوم 24 أغسطس/آب الماضي.
وجاء الدعم الأمريكي للعملية أثناء تحرير منطقة "دابق" شمالي سوريا من أيدي "داعش"، ليتوقف هذا الدعم عندما وصلت قوات الجيش السوري الحر إلى مشارف مدينة الباب السورية، التي يسيطر عليها "داعش"؛ ما يثبت عدم مصداقية أوباما في قتال الأخير، وإزدواجية المعايير لدى واشنطن.
** منظمة "فتح الله غولن" الإرهابية
جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذتها منظمة "فتح الله غولن" الإرهابية، في تركيا في 15 يوليو/تموز الماضي، في الوقت الذي تكافح تركيا فيه هذه المنظمة.
ومع وقوع هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة، اتجهت الأنظار إلى الولايات المتحدة بطبيعة الحال؛ لأن زعيم المنظمة "فتح الله غولن" يقيم في ولاية بنسلفانيا منذ فترة طويلة.
وكان أول تصريح من الجانب الأمريكي حيال محاولة الانقلاب - وهي في ساعاتها الأولى - على لسان وزير خارجية جون كيري، الذي أعرب عن أمله في استمرار الهدود والاستقرار في تركيا، دون أن يعرب عن وقوف بلاده إلى جانب الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطيًا.
ومع مرور الساعات على المحاولة، وبعد أن ثبت أن القوات المسلحة التركية والشعب التركي لا يقفان إلى جانب منظمة "غولن" في اعتدائها على تركيا، أصدر أوباما، ووزير خارجيته كيري، بيانين اثنين أكدا فيهما وقوفهما إلى جانب الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا.
من جانبها أعربت أنقرة عن انزعاجها الكبير، حيال اعتبار وزارة الخارجية الأمريكية، الوثائق والأدلة التي بعثتها تركيا إليها لإعادة "غولن" إلى تركيا بـ"غير كافية".
ومما رفع مستوى التوتر، تصريح جوزيف فوتيل، قائد القيادة الوسطى بالجيش الأمريكي، حيال اثنين من عناصر "غولن" مسجونين في تركيا، كانا قد تغلغلا في صفوف الجيش التركي؛ إذ وصف اعتقالهما بأنه "اعتقال لضباط أصدقاء للولايات المتحدة".
وفي خضم هذه الأحداث زار نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، تركيا بعد 45 يومًا من محاولة الانقلاب، والتقى أردوغان، معربا عن أسفه حيال تأخره في زيارته لتأكيد تضامن بلاده مع أنقرة.
وفي خطوة تركية تؤكد مدى أهمية تسليم "غولن" لأنقرة، زار وزير العدل التركي بكر بوزداغ الولايات المتحدة، نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي؛ حيث التقى نظيرته الأمريكية لوريتا لينش، وكانت المرة الأولى التي يزور فيها وزير عدل تركي الولايات المتحدة.
وطالب الوزير التركي نظيرته الأمريكية بإعادة "غولن" إلى تركيا.
لقد كان عام 2016 عام التوتر بين أنقرة وواشنطن التي أصرت على دعم الإرهابيين بإدارة أوباما، ومع مطلع العام الجديد وتسلم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، مهامه الرسمية في 20 ينار/كانون الثاني المقبل، ستتحدد ملامح العلاقات التركية الأمريكية في الفترة المقبلة.
news_share_descriptionsubscription_contact
