أمستردام/ سلمان أقسنقر/ الأناضول
اعتبر خبيران في القانون الدولي والعلاقات الدولية أن قرار مجموعة من الدول الغربية، بقيادة بريطانيا، فرض قيود على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل خطوة إيجابية، لكن تأثيره سيظل رمزيًا إلى حد كبير.
وفي تقييمهما للخطوة في حديث للأناضول، قالت الدكتورة شهد حموري، المتخصصة في القانون الدولي بكلية الحقوق في جامعة كِنت البريطانية، والبروفيسور مارتن شو، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية والسياسة في جامعة ساسكس، إن الإجراء لا يكفي لوقف الإبادة الجماعية في غزة، وإنه لا يستهدف دولة إسرائيل مباشرة، كما قالا إن القرار تأثر جزئيًا بحسابات سياسية داخلية في بريطانيا.
وقالت حموري إن المستوطنات الإسرائيلية أقيمت على أسس غير قانونية، موضحة أن التزام الدول بعدم التجارة مع هذه المستوطنات يستند إلى مبدأ "عدم الاعتراف".
وأضافت أن شركات إسرائيلية تنشط في المنطقة تستخدم المياه والأراضي "المسروقة"، وأنها تسهم في بناء نظام غير متكافئ يتيح نمو المستوطنين الذين يستولون على الأراضي، في حين يعيق التطور الاقتصادي للفلسطينيين.
وأشارت حموري إلى أن التزام بريطانيا بعدم التجارة مع هذه المستوطنات نشأ منذ وقت طويل، لكنها لفتت إلى أن الحظر لم يدخل حيز التنفيذ إلا الآن.
وقالت حموري إن الخطوة تظل "في حدها الأدنى"، مضيفة: "خلال ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية، لم تتخذ بريطانيا أي خطوة رادعة اقتصاديًا بحق إسرائيل".
وأضافت أن الخطوة المثالية تتمثل في فرض حظر تجاري شامل لا يقتصر على منتجات المستوطنات، بل يشمل أيضًا الأسلحة والطاقة والبنية التحتية المالية.
وقالت إن هذا الالتزام يستند إلى كل من قرار محكمة العدل الدولية الذي خلص إلى عدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، والالتزام بمنع الإبادة الجماعية.
وأشارت حموري إلى أن تقريرًا بشأن مسؤولية الدول الثالثة (في إشارة إلى الإجراءات الواجب اتباعها من دول ثالثة في شأن الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل) أصدرته العام الماضي فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أفاد بأن معظم الدول لم تفِ بهذا الالتزام.
وفيما يتعلق بالتعويضات، قالت إن الفلسطينيين يسعون منذ سنوات أمام المحاكم البريطانية للحصول على تعويضات بسبب الانتهاكات الإسرائيلية، مشيرة إلى أن هذه القضايا تواجه صعوبات بسبب ما وصفته بالعزوف السياسي ومحدودية السبل القانونية المتاحة.
وذكّرت حموري باستمرار المظاهرات في بريطانيا ضد ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة والاحتلال، والتي تجاوزت أعداد المشاركين فيها المليون، وقالت إن خطوة الحكومة تهدف إلى إظهار أنها "فعلت شيئًا" وكسب الأصوات منها إلى تغيير السياسة.
وأضافت أن تهديد إسرائيل مسؤولين بريطانيين علنًا يثير القلق بالنسبة للمواطنين البريطانيين، مشيرة إلى أن إسرائيل تحاول طمأنة مواطنيها في مواجهة مخاوفها من العزلة على الساحة الدولية مع اقتراب الانتخابات، ولذلك ردت بحدة.
من جانبه، ذكّر البروفيسور شو بأن محكمة العدل الدولية أكدت في قرارها الصادر عام 2024 عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
وقال إن بريطانيا استغرقت أكثر من عامين لقبول القرار، لكنها قبلته في نهاية المطاف.
واعتبر شو عدم معارضة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهذه الخطوة تقدمًا، لكنه قال في المقابل إن الإجراء لم يُحدث فرقًا في غزة، وإن آثار الإبادة الجماعية لا تزال مستمرة في المنطقة، مؤكدًا أن بريطانيا لم تتخذ خطوات من شأنها إجبار إسرائيل على الانسحاب من غزة.
وأشار شو إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين بريطانيا وإسرائيل لا تزال قائمة، وأنها تشمل شراكة عسكرية وتجارية، وقال: "ما دامت بريطانيا تواصل شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، فلن ينتهي الاحتلال".
وقال شو إن الخطوة ذات طابع رمزي إلى حد كبير، لكنه أشار إلى أن للرمزية أهميتها أيضًا.
وذكّر أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بورنهام قال، قبل توليه منصبه، إن حكومة حزب العمال أخطأت في تعاملها مع ملف غزة.
وأضاف أن ذلك يشير إلى انتقاد أقوى لسياسات إسرائيل في الضفة الغربية، مضيفًا أن هذا التغيير يوفر أساسًا للجهات المطالبة بإنهاء الاحتلال للقول إن الحكومة أقرت بعدم قانونية الاحتلال وبأن المستوطنين يمارسون تطهيرًا عرقيًا، لكنها لم تتخذ خطوات كافية.
ولفت شو إلى أن حزب الخضر يخوض منافسة على أصوات الجناح اليساري في حزب العمال من خلال طرح اتهام الإبادة الجماعية، وأنه يشكل تهديدًا لحزب العمال في الانتخابات العامة المقبلة، معتبرًا أن هذا الضغط السياسي الداخلي قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ مزيد من الخطوات.
وأضاف أن قرار إسرائيل منع 12 نائبًا بريطانيًا من دخول أراضيها هو أيضًا خطوة رمزية إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن النواب المشمولين بالمنع ينتمون إلى حزب الخضر والجناح اليساري من حزب العمال، إضافة إلى نواب مستقلين، وهم من أشد منتقدي إسرائيل داخل البرلمان البريطاني.
وأضاف أن قرار المنع تحول، بالنسبة إلى هؤلاء النواب، إلى ما يشبه "وسام شرف".
وقال البروفيسور شو إن الحكومة البريطانية تعمدت، في قرارها، استهداف المستوطنين والشركات التي تتعامل معهم، دون استهداف دولة إسرائيل أو حكومتها.
وأضاف أن إسرائيل، في المقابل، استهدفت الدولة البريطانية من خلال إبعاد مسؤولين بريطانيين أيضًا من مركز تنسيق غزة في كريات غات جنوبي إسرائيل، والذي أُنشئ في إطار ما يُعرف بـ"سلام الحدود".
وأقامت الولايات المتحدة مركز التنسيق المدني العسكري في مدينة كريات غات لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية واللوجستية والأمنية إلى القطاع، ودعم استقراره.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن نحو 40 دولة ومنظمة دولية أصبحت ممثلة في المركز، الذي افتُتح في 17 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. ويعمل ممثلو الدول والمنظمات في المركز على التخطيط لتدفق المساعدات والسلع التجارية، ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، ودعم الاستقرار في غزة.
وكان المركز قد أُنشئ في إطار خطة أمريكية لإنهاء الحرب في غزة، فيما تضمنت المرحلة الثانية من الخطة نشر قوة دولية لحفظ السلام في القطاع وانسحاب الجيش الإسرائيلي ونزع سلاح حركة حماس.
وأشار شو إلى أن استهداف بريطانيا للمستوطنين المتطرفين بدلًا من الدولة الإسرائيلية أتاح لها الحصول على دعم بعض المنظمات اليهودية الليبرالية والمعارضة الإسرائيلية.
وكانت 12 دولة، بقيادة بريطانيا وفرنسا وكندا، قد أعلنت اتخاذ خطوات لفرض قيود على التجارة والعلاقات التجارية مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. وتشمل الدول الأخرى الدنمارك وفنلندا وآيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.
وأكدت الدول في بيان مشترك نيتها فرض قيود وطنية ودعم قيود أوروبية على تجارة السلع مع المستوطنات التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، أو دراسة هذه الإجراءات وغيرها.
وجاءت الخطوة البريطانية بعد أن اعتبرت لندن أن إجراءات إسرائيل، ومنها طرح مناقصة لمشروع المستوطنة المعروفة باسم "اي 1" (E1) في الضفة الغربية، تقوض فرص حل الدولتين.
وأعلنت الحكومة البريطانية حظرًا على استيراد السلع من المستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب إجراءات تستهدف الخدمات المقدمة لدعم توسع المستوطنات. وردت إسرائيل بسلسلة من الإجراءات، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وحظر دخول 12 بريطانيًا.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
