Leila Thabti
19 فبراير 2016•تحديث: 19 فبراير 2016
باريس/ بلال موفتوأوغلو/ الأناضول
روسيا التي رفعت من وتيرة تدخّلها في سوريا، إلى درجة باتت معها في مواجهة مباشرة مع تركيا، إضافة إلى كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، تسعى ليس فقط للعودة إلى "الإمبراطورية" أو "القومية"، وإنما إلى إرساء "نظام جديد" في الشرق الأوسط، يكون فيه حضور القوى الثلاث الأخيرة ضعيفا، بحسب تحليلاتj خبراء.
فالدول الغربية تتفاعل، حاليا، بشكل أقوى مع العمليات العسكرية الروسية في سوريا، والتي تستهدف المدنيين من بين أهداف أخرى، وتسبّبت في ظهور موجة جديدة للهجرة نحو أوروبا. تفاعل بلغ حدّ اتّهام الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من قبل كلّ من بريطانيا وفرنسا، بتأجيج الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، في حين اعتبرت ألمانيا، من جانبها، أنّ القصف الروسي يهدّد الإنتقال السياسي.
موسكو نفت، من جهتها، استهدافها للمدنيين، لافتة على لسان رئيس وزرائها، ديمتري ميدفيديف، خلال مؤتمر الأمن في ميونيخ بألمانيا، إلى أنّها لا تسعى إلى "تحقيق أهداف سرية في سوريا"، وإنما تسعى ببساطة إلى حماية "مصالحها الوطنية".
تدخّل عسكري روسي في سوريا قال عدد من الخبراء ممّن إلتقتهم الأناضول، إنّه يدخل ضمن مساعي موسكو نحو الحصول على اعتراف بحضورها في الشرق الأوسط، وذلك عبر استبعاد الغرب من هذه المنطقة. وتمهيدا لإرساء هذا النظام الجديد، فإنّ روسيا لا تستثني أيّ شيء خلال ضرباتها، محذّرين من أنّ أوروبا غير قادرة على مواجهة المبادرة الروسية.
مدير السياسات الأوروبية بـ "مركز دراسات السياسات الأوروبية"، ستيفن بلاك مان، لفت، في حديث للأناضول، إلى أنّ العلاقات بين روسيا والغرب، والتي انقطعت جراء الأزمة الأوكرانية، بلغت نقطة اللاّعودة، مع تدخّل روسيا عسكريا في الشرق الأوسط، مضيفا أن هذا التدخّل "يتجاوز" مجرّد الإنتقام من العقوبات المفروضة على موسكو، عقب ضمّ الأخيرة لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في مارس/ آذار 2014.
وبالنسبة للباحث، فإنّ "الدوافع الكامنة وراء التدخّل في سوريا أقوى وأكبر من تلك التي حفّزت التدخل نفسه في أوكرانيا"، مشيرا إلى أنّ "تدخّل الروس الأخير في سوريا يستبطن الطموحات القيصرية والإمبريالية لبوتين".
طموحات "إمبريالية" قال بلاك مان إنها مرتبطة بمشروع بوتين لـ "إحياء الاتحاد السوفياتي" من خلال نموذجه الخاص للتكامل الإقليمي. فعبر هذا التدخل، يعتزم الروس فرض أنفسهم كقوة "لا غنى عنها" على الصعيد الدولي، وإجبار الغرب، تبعا لذلك، على الإعتراف بوجودهم على طاولة المفاوضات.
من جانبه، قال إيان ليسار، كبير المستشارين حول السياسة الخارجية بـ "صندوق مارشال الألماني" للولايات المتحدة الأمريكية، أن روسيا لا تحرم نفسها من القيام بالمزيد من الضربات الجوية "العشوائية" في سوريا، ضمن قرار نابع من إدراكها "لعدم وجود ما تخسره أمام الغرب".
فروسيا، يتابع ليسار، في حديث للأناضول، قطعت علاقاتها مع الغرب بعد أوكرانيا، وأيضا مع تركيا على خلفية إسقاط قوات الأخيرة لطائرة روسية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لتؤكّد أنّ الكرملين لا يشعر بأي ضغط من الغرب، موضحا أنه "في صورة حافظت روسيا على علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي وتركيا، لكانت فكرت مليا قبل تنفيذ ضرباتها الجوية، غير أنها الآن غير مهتمة بجملة الإشكالات الناجمة عن تلك الهجمات بالنسبة لهذين الطرفين.
إنتظارات بسقف عال، أضاف الباحث أن روسيا تسعى إلى تحقيقها "بأي ثمن"، ما يفسّر ارتفاع منسوب العدوانية التي تتخلل ضرباتها الجوية (في سوريا)"، ضمن تكتيك شبيه إلى حدّ كبير بذاك الذي يعتمده الرئيس السوري بشّار الأسد في هجماته الجوية التي تستهدف المستشفيات والمدارس والمدنيين، على حدّ قوله، ولذلك، "لا ينبغي التعجّب من تحرّك عرّاب الأسد بنفس طريقة الأسد (الرئيس) نفسه".
فـ "بوتين"، يتابع ليسار، "يسعى لزيادة نفوذه ليس في سوريا فحسب، وإنما في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تمهيدا لإرساء نظام جديد "لا يثير الارتياح لدى الاتحاد الأوروبي وشركائه عبر المحيط الأطلسي"، لافتا إلى أن موسكو تعتبر أنه من الشرعي أن تكون لها كلمتها في سوريا وفي مناطق أخرى مثل شمال إفريقيا ومصر".
وبالنسبة للباحث، فإنّ هذا التمشّي يترجم "عودة إلى القومية الروسية" عقب سنوات من "الخمول"، مشدّدا على أنّ روسيا تسعى للحصول على دور في تحديد نظام جديد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وأنه يتعين، في المقابل، على الاتحاد الأوروبي الشعور بالقلق حيال الأهداف البعيدة للكرملين، بدل التركيز على قضية اللاجئين، لأنه قد يجد نفسه أمام مقاربة وديناميكية جديدة".
"نظام جديد" عقب عليه الباحث في ختام حديثه بالقول إنّه سيكون مخالفا لأهداف أوروبا، بما أنّ "الحضور والنفوذ الروسيين يعنيان آليا تواجدا أقل بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة الأمرميكية وتركيا، وفي هذا إرضاء لموسكو".
وفي مواجهة المحاولات الروسية لإنشاء "النظام الجديد" في منطقة الشرق الأوسط، يقف الاتحاد الأوروبي عاجزا عن الردّ، في موقف يهدّد بتحوّله بشكل متزايد إلى خانة السلبية، بحسب خبراء.
جودي ديمبسي، الباحثة في جامعة "كارنيغي ميلون" الأمريكية، أشارت إلى أن أوروبا غير قادرة على الردّ على السياسة الروسية، وبوسع بوتين أن يلاحظ بكل بساطة كيف أن أزمة اللاجئين تؤدّي إلى مزيد إضعاف البلدان الأوروبية"، مضيفة أنّ "الاتحاد الأوروبي أصيب، لمرة أخرى، بهشاشة مردّها الموجة الجديدة من المهاجرين، عقب قصف حلب".
ديمبسي قالت أيضا إنّ الإتحاد الأوروبي إلى استراتيجية موحّدة حيال التدخل الروسي في سوريا، مشيرة على وجه الخصوص إلى فرنسا، والتي يعتبر الكثير من ساستها "خطأ" أنّ روسيا فاعل رئيسي في الحرب على الإرهاب.