غزة / حسني نديم / الأناضول
- الطفلة عاشت محطتين قاسيتين الأولى في مارس 2020 عندما فقدت والدتها وشقيقتيها بحريق في سوق مخيم النصيرات
- أما الثانية فجاءت خلال الحرب الإسرائيلية في 8 أكتوبر 2023، حين أدى قصف استهدف خيمة نزوحهم إلى مقتل والدها وزوجته
داخل خيمة مهترئة في أحد مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، تجلس الطفلة جنة حسين (7 أعوام) على فراش بسيط متهالك، تحتضن دمية قديمة بالية بين ذراعيها الصغيرتين.
وبينما تبدو ملامحها ساكنة، تغيب عن وجهها مظاهر الفرح والبراءة التي يفترض أن تميز طفولتها، ملخصة مأساتها بعد أن فقدت أفراد عائلتها تباعا، لتعيش اليتم مرتين في سن مبكرة.
وتجسد قصة جنة إحدى صور المعاناة التي يعيشها أطفال القطاع جراء الحرب الإسرائيلية، وسط نزوح قرابة 1.5 مليون فلسطيني، معظمهم أطفال، اضطر معظمهم إلى الإقامة في خيام أو مراكز إيواء تفتقد أدنى مقومات الحياة.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، فإن نحو 55 ألف طفل تيتموا خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع.
** فقدان مبكر متكرر
وعاشت الطفلة محطتين قاسيتين من الفقد؛ الأولى في مارس/ آذار 2020، عندما خسرت والدتها وشقيقتيها في حريق اندلع بسوق مخيم النصيرات وسط القطاع.
وآنذاك، لقي 11 فلسطينيا مصرعهم، بينهم والدة جنة وشقيقتاها، جراء حريق كبير اندلع في سوق المخيم، إثر انفجار صهريج غاز كان يُستخدم لتشغيل مولد كهربائي بديل، جراء أزمة انقطاع التيار الناتجة عن الحصار الإسرائيلي.
أما المحطة الثانية، فجاءت خلال حرب الإبادة التي اندلعت في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين استهدف قصف إسرائيلي الخيمة التي لجأت إليها العائلة، ما أدى إلى مقتل الوالد وزوجته، لتصبح جنة وشقيقها يتيمين للمرة الثانية.
** أطفال بلا مأوى
وفي 13 أغسطس/ آب الماضي، قال المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" فيليب لازاريني، عبر منصة شركة "إكس" الأمريكية، إن مليون طفل بغزة محرومون من التعليم، ويعانون صدمة نفسية عميقة، إثر الحرب.
وتروي جنة تفاصيل لحظة القصف التي غيرت حياتها، قائلة لمراسل الأناضول بصوت خافت: "كنت ألعب داخل الخيمة، وفجأة قصفونا (الجيش الإسرائيلي)".
وتضيف: "استشهدت خالتي، وزوجة خالي.. ورأيت رأسها مقطوعا".
وتتابع، مستذكرة لحظة استيقاظها بالمستشفى، أنها علمت حينها بمقتل والدها وزوجته، لتبقى برفقة شقيقها عمر دون معيل.
** حياة داخل المخيم
وفي أحد أركان المخيم، تسير جنة بخطوات مترددة بين الخيام المتلاصقة، بينما يراقبها شقيقها عمر بصمت، في محاولة للتشبث بما تبقى من العائلة.
وتحاول جنة، الغارقة في عالمها الخاص، التعبير عن أمنية بسيطة، قائلة: "أريد العيش مثل باقي الأطفال، وأريد أن ألعب ويكون عندي أم وأب"، قبل أن تتساءل: "لماذا أنا؟ لماذا فقدتهم؟".
وتجلس جدتهما، منال حسين، بالقرب منهما، مستعيدة ما جرى بصوت مثقل بالحزن، قائلة للأناضول: "جنة حرمت أول مرة من أمها وهي صغيرة، وبعدها ربنا عوضها ببيت جديد، لكن الحرب أخذت منها مجددا أباها وزوجته، هذه الطفلة تيتمت مرتين".
وتضيف: "ما ذنبها؟ أين حق الطفولة؟ نحن بشر ولسنا أرقاما".
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لا تزال الأوضاع المعيشية والصحية للفلسطينيين البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بينهم 1.4 مليون نازح، متدهورة، وسط تنصل إسرائيل من التزاماتها المنصوص عليها بالاتفاق، بما يشمل فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.
وجرى التوصل للاتفاق، بعد عامين من الإبادة التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، وخلّفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 172 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.