غزة/ مصطفى حبوش/ الأناضول - "ارمي المرساة هنا... "، هكذا قال ربان سفينة الصيد بصوته المنهك، قبل أن يجبيه أحد عماله :" لا يا ريس إحنا (نحن) في مياه أبو خالد".
رفع الربان كفه المنهكة بأمواج التجاعيد، امسك بحبل قريب ونهض برشاقة تتنافى مع شيب شعره، وبعد جولة بعينيه صدرت الأوامر الجديدة :"قَبِّل شوي (اتجه قليلاً نحو الجنوب)" ... "بكفي. وقف هنا.. ارمي المرساة ..طلعنا من مياه أبو خالد".
لحظات هدوء مرت، قبل أن تبدأ المتاعب ... "يا ريس خايف (أخاف) نكون تخطينا (تجاوزنا) الحد (الحدود) شوف (انظر) الدبور (الزورق العسكري الإسرائيلي) جاي علينا؟ "... " لا إحنا على الحد تمام ما حدا بقدر (يستطيع) يكلمنا".
ووصل "الدبور"، مصدرا صوتا عبر مكبر صوت يقول بلكنة عربية ركيكة :"ما تقرّب أكثر لهون بكفي (يكفي إلى هنا)".
كانت هذه الحوارات السريعة تدور بأصوات صاخبة على بعد ستة أميال بحرية من شاطئ مدينة غزة، المحاصرة، بعد ساعتين من إبحار قارب الريس أبو حسن (محمود أبو جربوع 59 عاما) من مرفئ صيادي غزة مصطحباً معه فريق وكالة "الأناضول" للأنباء.
هناك يتحوّل كل ما يحيط بالقارب الخشبي القديم إلى لون السماء الأزرق، ويفرض البحر قوانينه، فلا يجوز لصياد التعدي على مساحة زميله المقسمة مسبقاً فيما بينهم، فكل له كيلو متر مربع ليعمل فيه حيث يقوم الصيادون بتحديد هذه المسافة فيما بينهم بشكل تفاهمي وتقديري.
وهناك قوانين أخرى تفرضها قوة الرصاص... فلا يجرؤ صياد على تخطي حدود الأميال البحرية الستة، وإلا فإن أمواج من النار يطلقها زورق إسرائيلي ستغرق قاربه إن لم تقتص من روحه أو تمزق روح أحد معاونيه.
ابتعد الزورق الحربي الإسرائيلي، وبدأ الريس أبو حسن ومعاونيه أحاديثهم عن مغامرات البحر، فهذا يروي حكايته عندما أغرق أحد الزوارق الإسرائيلية قاربه القديم.
وعجوز يتحدث عن أيام "العز" عندما كان يبحر مبتعداً عن الشاطئ 20 ميلاً يصطاد فيها "وحوش البحر"، وصياد شاب هاوٍ يتحدى بغرور أنه يستطيع تجاوز حد الأميال الستة التي تفرضها إسرائيل، وأحاديث أخرى لا تبتعد عن أحلام وأمنيات إما بزوجة وأبناء أو بمنزل صغير وربما بقارب جديد يخفي عيوب شقيقه المهترئ، وأدنى تلك الأحلام لحظة نوم هادئ بعيداً عن هموم البحر.
دقائق سريعة قبيل الغروب تعالت فيها همسات الأحلام ودندنات ألحان شعبية قديمة حتى أمواج البحر صمتت لتستمع إليها.
لم يطل الوقت كثيراً قبل أن يغرق قرص الشمس في مياه المتوسط وبدأت العتمة تصبغ الماء والسماء بلون السواد ... وصدر الأمر الجديد من الربان أبو حسن "شغلوا مولد الكهرباء وأشعلوا الأنوار".
سطعت الأنوار بقوة على القارب الصغير، وأذن مؤذن بصلاة المغرب التي ما لبث الجميع أن هب لأداءها.
وبعد أن أنهوا الصلاة على ظهر القارب الذي لا يكف عن الاهتزاز، حتى تناولوا وجبة بسيطة لا تتعدى مكونتها الخبز والجبن، وقليل من المربى، وكوب من الشاي، قبل أن يتوسد الجميع أمتعتهم ويتوزعون على سطح القارب فقد حان موعد النوم.
مضت أربع ساعات نام طاقم الصيادين خلالها بعمق وساد الهدوء سطح المركب كان يخترقه صوت الرياح وهمسات أمواج البحر التي بدأت بالارتفاع.
وما أن دقت عقارب الساعة الثانية عشر(21 تغ)، (منتصف الليل)، حتى هب الجميع مسرعين لصلاة العشاء ثم بدأوا يخرجون شباك الصيد من مكانها ويجهزونها بنشاط عجيب.
أطفئت الأنوار مجدداً فالأسماك تجمعت حول ضوء القارب وكان لا بد من اطفائها حتى لا تلحظ حركة الشباك، وخلال دقائق بدأت الشباك تغوص في عمق البحر.
تحرك القارب بشكل دائري حول المنطقة التي تجمعت حولها أسماك "السردين"، وبعد ساعة بدأ الغناء من جديد أثناء سحب الشباك من مياه البحر.
علا صوت الريس أبو حسن وبدأ يغني بصوته "العجوز" كلمات أغنيته المفضلة ويردد الصيادين حوله تلك الكلمات.
عندك (لديك) بحرية.. يا ريس ... سُمرُ وشرقية.. يا ريس ... والبحر كويس(جيد) يا ريس .. وصلني حبيبي يا ريس.. عا (على) الرمل الدايب كتبنا .. شوق الحبايب دوبنا ... وان شاء الله توصل مراكبنا ... الـ فيها أهالينا وحبايبنا ... والفرحة تكمل.. يا ريس .. ريحة (رائحة) أراضينا.. يا ريس ... عم (إنها) بتنادينا .. يا ريس... أمشي وطير بينا .. يا ريس ... من مينا لمينا.. يا ريس ... ودينا بلدنا.. يا ريس .. تا نشم ترابا.. يا ريس.
وما ان انتهى الريس أبو حسن من أغنيته العتيقة حتى انتهت الشباك إلى سطح قاربه ليخرج منها بعد عناء 50 كيلو جرام من أسماك "السردين، والسكمبلة، والدنيس" التي بدأت تلفظ أنفسها الأخيرة داخل تسعة صناديق من الفلين الأبيض.
وبعد جولة الصيد الأولى عادت الأنور لتسطع من جديد وعاد الجميع إلى النوم مجدداً وتجمعت الأسماك حول القارب إلى أن استقرت عقارب الساعة على الثالثة والنصف فجرا، لينهض الجميع وبذات دفعة النشاط ليعيدوا الشباك إلى البحر.
ساعة أخرى مضت والظلام يسيطر على المكان ما ان انتهت حتى صدرت الأوامر بسحب الشباك، لكن هذه المرة كانت مختلفة، فالرافعة القديمة التي تساعد الصيادين على سحب الشباك الثقيلة من المياه انفجر أحد خراطيم الزيت فيها فتحول المكان خلال ثواني إلى ساحة تزلج فلم يستطع أحد الوقوف على قدميه من شدة لزوجة سطح القارب.
وكان انفجار خرطوم الزيت محنة شديدة لطاقم وكالة الأناضول، حيث اتسخت معداته وملابسه بالزيت، ولم يعد أعضاء الفريق قادرا على الوقوف على سطح القارب.
ويبدو أن طاقم الريس أبو حسن واجه هذه المشكلة من قبل فسارع أحد الصيادين إلى إيقاف تشغيل الرافعة فتوقف الزيت عن التدفق وحمل آخر وعاء فيه مادة البنزين وبدأ بغسل سطح القارب، فيما كان بقية الطاقم يسحب شباك الصيد التي لم تحمل هذه المرة سوى عشرة كيلوجرام من أسماك السردين الصغيرة.
لم يكن فريق الصيادين هذه المرة موفقاً وحتى الأغنية التي كانوا يرددون ألحانها في بداية سحب الشباك لم يستكملوها.
بعد ساعات من تنظيف القارب والمعدات من الزيت الذي تدفق من خرطوم الرافعة نادى الريس أبو حسن "استعدوا سنعود الآن للميناء".
أعاد الصيادين المعدات والشباك إلى مكانها، وبدأت رحلة العودة التي استمرت أكثر من ساعتين لم يستطع طاقم الصيد خلالهما من شدة الإرهاق فعل شيء سوى الجلوس على حافة قاربهم وتأمل مياه البحر بعد شروق الشمس.
وصل القارب إلى مرفئ الصيادين ومثله بقية قوارب الصيد الفلسطينية التي يتجاوز عددها المائة قارب ،وبدأ بإفراغ حمولته من الأسماك لتوريدها إلى "الحسبة" (سوق السمك) التي لا تبعد عن المرفأ سوى بضعة أمتار.
لم ينطق الريس أبو حسن عند وصوله إلى مرفأ الصيادين سوى ببضع كلمات يبدو أنها تعبر عن الصيادين جميعاً ... "أبشع شغلة في العالم شغلة البحر".
تولدت هذه الكلمات، وفق أبو حسن، من تلك المعاناة التي يعيشوها يومياً والتي تبدأ بصعوبة الصيد على قواربهم القديمة جداً ومعداتهم التالفة، ولا تنتهي بالمضايقات الإسرائيلية ومنعهم من تخطي حاجز الأميال البحرية الستة.
ولا تنتهي المضايقات الإسرائيلية على منع الصيادين من تجاوز المسافة المسموح بها للصيد فقوات البحرية الإسرائيلية تعتقل الصيادين وتصادر قواربهم وتطلق النار عليهم بشكل شبه يومي وتصادر معداتهم، وفق الصياد ابو حسن.
ونتيجة لمنع إسرائيل الصيادين من الإبحار لمسافة تتجاوز الستة أميال بحرية فإن معدل الصيد لديهم انخفض إلى 2000 طن سنوياً، من أصل 4000 طن من الأسماك كانوا يصطادونها بشكل سنوي عندما كان يسمح لهم بالإبحار لمسافة 20 ميل بحري.
ويمثل صيد الأسماك مصدر رزق وحيد لأكثر من 40 ألف مواطن فلسطيني يعيشون في قطاع غزة، بحسب نقابة الصيادين.
ومنذ فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007 تمنع قوات البحرية الإسرائيلية الصيادين من الإبحار لمسافة تزيد عن ستة أميال بحرية.
news_share_descriptionsubscription_contact
