الجزائر ـ الأناضول
تنطلق بالجزائر غدًا الخميس احتفالات ضخمة بالذكرى الخمسين لاستقلال البلاد عام 1962 بعد 132عامًا من الاستعمار الفرنسي وسط جدل حول حصيلة نصف قرن من تحرر البلاد.
فبينما ترى الأحزاب السياسية المعارضة ومراقبون أن من حكموا البلاد خلال فترة ما بعد الاستعمار لم يستطيعوا بناء الدولة الديمقراطية المنشودة، في حين يعتبر آخرون أن هناك بعض النجاحات على أرض الواقع.
ويشرف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على الاحتفالات الرسمية والشعبية بذكرى الاستقلال بمسرح الهواء الطلق بمنطقة سيدي فرج بالعاصمة، وهو مكان رمزي سجل به دخول أول جندي فرنسي إلى الجزائر عام 1830 حيث كانت البلاد تحت الحكم العثماني.
وأعلنت الحكومة الجزائرية أن الاحتفالات بذكرى نصف قرن من الاستقلال ستستمر عامًا كاملاً بكل محافظات البلاد في شكل فعاليات متنوعة بين عرض أفلام وثائقية حول ثورة التحرير وعروض مسرحية ومحاضرات لمؤرخين إلى جانب احتفالات شعبية بمختلف مناطق البلاد.
وقالت وزيرة الثقافة الجزائرية خليدة تومي، إن تسع دول ستحضر هذه الاحتفالات هي روسيا، واليابان، والصين، والبرتغال، والولايات المتحدة، وجنوب أفريقيا، والهند، وأندونيسيا، وبولندا.
ونجحت الثورة الجزائرية التي دامت قرابة ثماني سنوات بين 1954 و1962 في تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 سنة، وكانت الحصيلة ثقيلة هي مليون ونصف المليون شهيد وآلاف الجرحى والمهجرين.
وترفض فرنسا حتى الآن الاعتراف رسميًا بجرائم الاستعمار كمطلب للسلطات الرسمية الجزائرية وكذا الأحزاب ومنظمات تمثل قدماء المجاهدين والشهداء خلال الثورة التحريرية وأسرهم.
وقال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إن "الأبناء لا يمكنهم الاعتذار عما اقترفه آباؤهم" فيما يبدي الرئيس الحالي فرانسوا هولاند "مرونة" تجاه الملف حيث يقر بوحشية الاستعمار لكنه لم يعترف بجرائمه بعد.
وقال المؤرّخ محمد عباس لوكالة "الأناضول" للأنباء إن "النقاش حول الاعتراف بجرائم الاستعمار عقيم ولا جدوى منه".
وأوضح أن "الجزائريين خاضوا ثورة عظيمة أخرجوا بها الاستعمار، وفرنسا خسرت وغادرت، لذلك لا بد من طي الصفحة والتوجه لبناء دولة قوية تفرض احترامها على الجميع".
وبشأن الجدل حول حرب الذاكرة بين البلدين يقول عباس "هناك فكر استعماري جديد في فرنسا يريد فرض قراءته للتاريخ لذلك لابد من الابتعاد عن الذاتية في تناول موضوعات التاريخ فلا يحق للفرنسيين فرض نظرتهم على الجزائريين والعكس صحيح".
على صعيد آخر، تناولت وسائل الإعلام في الجزائر الحدث من باب ما حققته البلاد بعد نصف قرن من الاستقلال.
وترى الأحزاب المعارضة أن البلاد لا تزال بعد نصف قرن من نيل الحرية لم تحقق "طموح الشهداء ببناء دولة ديمقراطية قوية" في الوقت الذي تؤكد السلطة أن "الجزائر خرجت مدمرة من استعمار وحشي ونجحت في الحفاظ على وحدتها وتوفير التعليم والخدمات المجانية لمواطنيها وكذا بناء أسس اقتصاد قوي".
ويرى المؤرّخ محمد عباس أن "فترة الاستقلال عرفت جوانب إيجابية بحكم أن الدولة نجحت في بناء منشآت قاعدية ضخمة لكن السؤال الجوهري ماذا فعلنا في الجانبين الثقافي والاقتصادي الأكيد أن هناك فشلا كبيرا ولا بد من تقديم حصيلة".
وتشير الأحزاب الجزائرية باستمرار إلى ضرورة "إنهاء الحكم باسم الشرعية التاريخية والثورية في البلاد" بعد نصف قرن من الاستقلال وتسليم الراية للجيل الحالي وهو ما لم يتحقق حتى الآن حسبها.
وحَكم الجزائر منذ مغادرة الاستعمار الفرنسي رؤساء ومسؤولون هم من الجيل الذي شارك في ثورة التحرير أو من أبناء شهداء توفوا خلال الحرب.
وكان بوتفليقة قد أعلن في خطاب له شهر مايو/آذار الماضي أن "جيل الثورة يستحق التكريم، لكن ينبغي أن يكون مفهوما بأن دوره انتهى في تسيير البلاد".
وبرأي المؤرّخ عباس "قضية الحكم باسم الشرعية الثورية هي شعار مزيّف وتحايل على تضحيات الثورة".
وأوضح "كان هناك انقلاب على الشرعية مباشرة بعد إعلان الاستقلال، في المؤتمر التأسيسي لعام 1962 واستولى من لهم سلطة السلاح أي العسكر على مقاليد الحكم"، مضيفا "الأمر كان مبررًا خلال السنوات الأولى للاستقلال من باب حماية وحدة البلاد ولكن هذا العبث استمر إلى اليوم".
نل/صغ/حم