علا عطا الله
تصوير: مصطفى حسونة
غزة- الأناضول
تلتقط أعين الكاميرات ابتسامات المتحاورين, وضحكاتهم المتبوعة بتصريحات التفاؤل بأن "المصالحة الفلسطينية" سترى النور قريبا.
وتطير البيانات الصحفية التي تسرد كواليس الأجواء الإيجابية بين حركتي "فتح" و"حماس", وقبل أن يجف حبر الكلمات, إذا بصورة أخرى لخبر عنوانه "التراشق الإعلامي" و"تبادل الاتهامات" يحتل الشريط العاجل على الشاشات.
هذا المشهد الذي تكرر وبذات التفاصيل عدة مرات في الأشهر الأخيرة دفع مراقبون ومحللون فلسطينيون, إلى رسم نهاية لسيناريو هذه الأحداث بخاتمة تقول إن الفصيلين الفلسطينيين الأكبر يعملان على "إدارة الانقسام لا إنهاءه".
طلال عوكل المحلل السياسي والكاتب في صحيفة "الأيام" التي تصدر في الضفة الغربية المحتلة، اعتبر أن "المصالحة ما تزال بعيدة المنال".
وتابع "أرى المستقبل أكثر من مأساوي, كنا في السابق نتحدث عن إرادة ونوايا لتحقيق المصالحة, اليوم واضح أن الطرفين لا يريدان المصالحة.. وأننا ذاهبون إلى المجهول".
والسبت انتقدت حركة حماس، دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بدء مشاورات تشكيل الحكومة الانتقالية، معتبرة هذه الدعوة "منفردة" و"انتقائية".
وفي تصريح سابق للأناضول قال فوزي برهوم الناطق باسم حماس إن "دعوة عباس للبدء بمشاورات تشكيل الحكومة جاءت منفردة ودون مشاورات مع الفصائل الفلسطينية، أو الجانب المصري الراعي لاتفاق المصالحة".
وكان الرئيس الفلسطيني قد أعلن ظهر السبت أنه قرر بدء مشاوراته لتشكيل حكومة التوافق الوطني.
وقال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا" إن "هذا سيكون وفقًا لإعلان الدوحة، وتنفيذًا للجدول الذي أقرته القيادة الفلسطينية في اجتماعات تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، التي انعقدت في القاهرة يوم 8 فبراير/شباط الماضي".
وتوقفت جولات الحوار الوطني الفلسطيني أواخر فبراير/ شباط الماضي بعد أن أعلنت حركتا "فتح" و"حماس" عن تأجيل لقاء كان مقررًا بينهما يوم 26 شباط/ فبراير في القاهرة؛ وذلك بعد أن نشبت مشادة كلامية بين رئيس وفد "فتح" إلى حوار المصالحة عزام الأحمد، ورئيس المجلس التشريعي الفلسطيني (البرلمان)، والنائب عن "حماس"، عزيز الدويك، في ندوة عُقدت في رام الله تبادلا خلالها الاتهامات بين الحركتين.
وعلى هذا الواقع يعلق عوكل قائلا "إن الحركتين في طريقهما لإدارة الانقسام وليس إنهاءه".
واستدرك قا "الشواهد على الأرض تؤكد أننا أمام إدارة لهذا الانقسام, فتح اليوم في غزة لا تعاني كمعارضة, وكذلك حماس في الضفة, هناك تنسيق في مجال التعليم, الصحة , الأمر بات أشبه بالتعايش".
وأوضح أن "الموازنات المالية, وإدارة المؤسسات الحكومية والأمنية, وغيرها مما يحتاج إلى إعادة هيكلة وتوحيد، تقف في طريق تحقيق المصالحة".
وتابع "بعيدا عن البرامج السياسية للحركتين, بات الفعل في وادٍ , والواقع في وادٍ آخر".
وكانت حركتا (فتح) و(حماس) قد توصلتا إلى اتفاقيتين للمصالحة الأولى في مايو/أيار 2011 برعاية مصرية، والأخيرة في فبراير/شباط 2012 برعاية قطرية، لتشكيل حكومة موحدة مستقلة برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تتولى التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية، إلا أن معظم بنودهما لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن.
وما من شيء بإمكانه إقناع الشارع الفلسطيني بأن ما يتم الاتفاق عليه لن يكون مختلفا عما سبقه من اتفاقيات، بحسب ما يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر بغزة مخيمر أبو سعدة.
وشدد أبو سعدة في حديثه لمراسلة الأناضول على أن "تكرار مسلسل المصالحة دون نتائج واضحة وملموسة يدفعنا لمشهد أخير هو إدارة الانقسام".
"ولا يمكن للحركتين الحديث عن هذه الحلقة الأخيرة في المشهد -بحسب أبو سعدة- لكن ستبقى النغمة الوحيدة أمام الشعب, هي ترديد المصالحة وقرب تحقيقها على أرض الواقع, لكن فعليا ما يجري الآن ولاحقا هو إدارة الانقسام ..اليوم غزة كأنها دولة, والضفة كأنها دولة في كل التفاصيل".
"وأمام تأجيل معظم الملفات المهمة، وكافة التواريخ فإن أقصى ما يمكن أن تحققه حماس وفتح هو إدارة الانقسام لا إنهاءه"، كما رأى الكاتب ومدير مركز "بدائل" للإعلام والدراسات في رام الله، هاني المصري.
وقال المصري للأناضول "إدارة الانقسام بالطبع ليس أفضل شيء يمكن تحقيقه، بل يمكن أن تكون أسوأ ما يمكن لأنها تساعد على استمرار الانقسام وربما تعميقه, لكن هذا المشهد هو الختامي لمسلسل المصالحة".
ولفت المصري إلى أن "إدارة الانقسام وليس إزالته تبدو صيغة التفاهم الأقرب بين الحركتين، واضح أن حماس وفتح تجتمعان للتباحث حول إدارة الانقسام, مقابل أن يمضي كل طرف في تحقيق أهدافه".
ويسود الخلاف بين حركتي فتح، وحماس، من حيث المرجعيات الأيدلوجية (علمانية- إسلامية)، والنهج المتبع لحل القضية الفلسطينية (المفاوضات وعملية السلام- المقاومة المسلحة) منذ قرابة ربع قرن، لكنه انعكس على الأرض فعليا عقب فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي في يناير/كانون ثان 2006.
وفي يونيو/حزيران 2007 وقعت اشتباكات مسلحة بين عناصر الحركتين، انتهت بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة.
ورغم الصراع السياسي والميداني، إلا أن حكومة قطاع غزة، التي تديرها حماس، وحكومة الضفة الغربية المحتلة، التي تديرها فتح، حافظتا على درجة متدنية من التنسيق في مجالات "التعليم والصحة، والشؤون المدنية".
وكانت الحركتان قد اتفقتا في 17 يناير/كانون الثاني الماضي خلال اجتماع في القاهرة على "صيغة توافقية" حول الملفات التي تضمنها اتفاق المصالحة الفلسطينية، ومنها تفعيل عمل لجنة الانتخابات المركزية في غزة والضفة، تمهيدًا لإجراء انتخابات عامة (رئاسية وبرلمانية) متزامنة، وبدء مشاورات تشكيل الحكومة.