القاهرة - الأناضول:
بدأ المستشار أحمد رفعت - رئيس المحكمة الذي أصدر الحكم اليوم في قضية مبارك ونجليه ووزير داخليته ومعاونيه- جلسة النطق بالحكم، بكلمة مؤثرة استغرقت حوالي 20 دقيقة، انتقد فيها بشدة حكم مبارك طوال الثلاثين عامًا الماضية، وأشاد فيها بثورة 25 يناير، ومجَّد شهداءها الذين أخرجوا البلاد إلى النور.
وتأثر كثير من المصريين بهذا الكلمة، وأبكت عددًا غير قليل من ذوي شهداء الثورة الذين احتشدوا أمام مقر المحاكمة في القاهرة، غير أن هذه المشاعر تحولت إلى ثورة من الغضب والاستياء والمطالبة بـ"تطهير القضاء" حين أصدر المستشار رفعت حكمه بتبرئة نجلي مبارك من تهمة استغلال النفوذ والتربح وبتبرئة ستة من معاوني العادلي بينهم حسن عبد الرحمن رئيس مباحث أمن الدولة الذي اشتهر بقمع المعارضين وتعذيبهم في عهد مبارك.
وفي ما يلي نص الكلمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الحق العدل، بسم الله الذى لايضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء، بسم الله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.. السادة الحضور الهدوء التام .. أى حركة أى صوت سنعتذر فورا، وكررها، قائلا أى صوت سيصدر حتى نهاية الجلسة سنعتذر فوراً وسنطبّق القانون بكل حزم.
وتابع: بسم الله الرحمن الرحيم.. بداية تبدأ المحكمة ببضع كلمات فى بداية المحاكمة المخصصة للنطق بالأحكام وقال: "إن واقعات التداعى المعروضة حسبما وضح للمحكمة واستقر فى وجدانها وضميرها من واقع خوضها فى الأوراق وما أرفق بها من مستندات عن بصر وبصيرة، وما ارتاحت إليه عقيدتها، وما وقر صحيحًا ولازمًا وقاطعًا فى وجدانها ورسخت إليه صحة وإسنادًا وثبوتًا فى يقين قاطع جازم تطمئن معه عقيدة المحكمة، وتستريح مطمئنة مرتاحة البال هادئة الفكر إلى الثابت فى أوراق التداعى، وما كشف عنه سير الأوراق بما يقشع الظلمة ويميت الغموض عن وقائعها وأحداثهما ويسلط النور والضياء عليها، فتظل يافعة قوية وناضرة ملء البصر والعين، مستقرة لا مراء فيها ولا شك.. فإذ بزغ صباح الثلاثاء 25 يناير 2011 أطل على مصر فجر جديد لم تره من قبل أشعته بيضاء حسناء وضاءة تلوح لشعب مصر العظيم بأمل طال انتظاره ليتحقق معها شعاع وضاح وهواء نقى زالت عنه الشوائب العالقة فتنفس الشعب الذكى الصعداء بعد طول كابوس ليل مظلم لم يدم لنصف ليل وفقا لنواميس الحياة لكنه لأكثر من 30 عاما أسود.. أسود.. أسود إسوداد ليل شتاء، فأصرّ بلا رجاء أن ينقشع صباح مشرق بضياء ونضارة وكانت إرادة الله فى علاه أن أوحى إلى شعب مصر بتلك الثورة، لا يطالبون برغد العيش وعلياء الدنيا بل طالبوا ساستهم وحكامهم ومن تربعوا على عرش السلطة توفير الحياة الكريمة لهم ولقمة العيش، طالبين منه أن يطعمهم من جوع ويسد رمقهم ويطفئ ظمأهم بنعمة عيش سعيد، ونوم فى منازل كريمة، وانتشال أبناء وطنهم من عفن العشوائيات بعد افتراشهم الأرض، وتلحفهم بالسماء، كما طلبوا فرصة عمل تدر عليهم رزقا حلالا يكفى لسد حاجتهم، وانتشالهم من هوة الفقر إلى الحد اللائق بإمكانياتهم، منادين "سلمية ..سلمية.. سلمية" من أفواههم وبطونهم خواء وقواهم لا تقوى على المناضلة والجهاد، صارخين "انقذونا ..ارحمونا ..انتشلونا من الذل والهوان".
وكونهم تردى حال بلدهم "مصر" اجتماعيًا وثقافيًا وتعليميًا وأمنيًا، وانحدر بها الحال إلى أقل الدرجات من الأمم، والتى كانت شامخة عالية من قبل، فأصبحت مطمع الغزاة والمستعمرين، وأصبحت تتوارى لها كل الدول.. "ماذا جرى لك يامصر؟" يا من ذكرك الله فى كتابه.
وتلك الثورة صاغها الله فى قلب رجل واحد ولو اجتمع ما فى العالم جميعا ما ألف بينهم ولكن الله ألف بينهم وحماهم وظللهم بجراد الحق فزهق الباطل وكان زهوقًا، ومحا الله آية الليل المظلمة وجعل آية النهار مبصرة، ليبتغى الشعب فضلا من الله لمستقبل حميد ليرفعها الله إلى أقصى درجات العزة بين الأمم، ومنذ ذلك الضياء وما تكبده المواطنون من ألم وحسرة وقهر وتوجهوا إلى ميدان التحرير بالقاهرة مسالمين مطالبين "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية" ضد من ارتكبوا وقائع الفساد وعميت قلوبهم وانطفأت مشاعرهم.
وأحيلت تلك الدعوى للمحكمة لمحاكمة رأس الدولة، ومن شغل المناصب العليا، وفى يوم 3 أغسطس 2011، حيث قبع المتهمون فى قفص الاتهام، ومن ذلك التاريخ أخذنا على أنفسنا عهدًا بالحق والعدل، وأن نؤدى الأمانات إلى أهلها- لا تفريق بين أحد منهم- وسبق أن حكمنا بأحكام منصفة من قبل طبقا للحدود والقانون، وأنزلنا عليها صحيح أحكام القانون، ولم يشغلنا إلا إجراؤها على أكمل وجه من الحق والعدل وإعطاء الحق لأصحابه مهما كان صغيرا أو كبيرا، حيث تم نظر الجلسة فى جلسات متعاقبة بلغت 49 جلسة بمعدل زمنى 250 ساعة ومدة وصلت لأكثر من 10 ساعات فى جلسة واحدة، وبلغ عدد أوراق القضية أكثر من 60 ألف ورقة، وعقدت الجلسات دون التقيد بأدوار انعقاد، وتم حكم زمام الجلسات بكل الاقتدار للخروج بها ناصعة لا يشوبها شىء، وتحملت المحكمة عبئًا لايتحمله بشر وكان لها ذلك، واستمعت لكل الاهتمام لكافة الأطراف وصبرت صبرا لايطيقه الصابرون، وتحملت وكان عهدا عليها أن تعطى المدعين بالحق المدنى حقهم فى دعواهم.
وكان عهدا على المحكمة أن تعطى للدفاع بأكمله أن يستخرج ويحصل على ما يراه لازما من مستندات وأوراق يدافع بها عن وجهة نظره، وأعطت الجميع الفرصة تلو الفرصة ليرتاح الدفاع لدفاعه، حيث استمعت لشهود الإثبات الذين قدمتهم النيابة حيث ظهر للمحكمة حال أدائهم من شهاداتهم، ورأت من اتهم بالشهادة الزور، ومن تم مدحه فى الشهادة، ومن اتهم بضياع أجزاء فى المحاكمة، فلم تجد المحكمة إلا إظهار الحقيقة وتبيان الحق فى الدولة، واستدعت كبار المسئولين فى الدولة، ووجدت فى شهادتهم إحقاق الحق وما يزيل عنها الغموض فى الدعوى وشهادتهم أمام الله وأمام المحكمة، واستمعت بكل الترحاب وسعة الصدر إلى الدفاع جميعه.
وفتحت المحكمة صدرها لكل من طلب التحدث وأتاحت لهم كل الفرص لتقديم دفاع المتهمين لأوراق ومستندات ولم تغلق أمامهم أي طريق للدفاع وأعطتهم حقهم وأكثر من ذلك وعهدت أن تكون المحاكمة منصفة للجميع.
news_share_descriptionsubscription_contact
