الرباط/ الأناضول/ سارة آيت خرصة ـ وصف الكاتب والصحفي المغربي توفيق بوعشرين زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أرودغان للمغرب والتي تبدأ غدا الاثنين بأنها "محطة مهمة للبلدين" مشيدا في ذات الوقت بـ"التطور الاقتصادي في تركيا والذي جعلها القوة الصاعدة الأبرز في العالم خلال العشرة سنوات الماضية".
وقال بوعشرين، مدير جريدة أخبار اليوم المغربية، أحد أهم الصحف المغربية المستقلة، في حوار خاص مع مراسلة وكالة الأناضول "تركيا اليوم تقدم نموذجا سياسيا واقتصاديا ناجحا لدول المنطقة" مشددا على أن "العالم العربي يستفيد من الصعود التركي".
واعتبر الكاتب المغربي زيارة أردوغان للمغرب "محطة مهمة لمناقشة البلدين عدد من الأجندة السياسية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك، في مقدمتها بحث تطورات الأزمة السورية خصوصا أمام التحولات المتلاحقة التي يعرفها هذا الملف"، لافتا إلى "توافق البلدين في ذات الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية في مقدمتها القضية الفلسطينية".
وإليكم نص الحور:
يحل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان غد في زيارة رسمية للمغرب، كيف تقرؤون السياقات الإقليمية الخاصة لهذه الزيارة؟
أولا هذه ليست زيارة الأولى التي يقوم بها رئيس الوزراء التركي إلى
كما أن هذه الزيارة طبعا لها أجندة اقتصادية هامة، خاصة على ضوء اتفاقية التبادل الحر الذي تجمع البلدين منذ عام 2006، فالحضور التركي على المستوى الاقتصادي أضحى وازنا خصوصا في السنوات الأخيرة، فتعزيز هذا التعاون سيكون مطروحا خلال هذه الزيارة سواء على المستوى الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، فالمغرب يعتبر جسر تركيا إلى إفريقيا خصوصا أمام الاهتمام الكبير الذي تحظى به القارة الإفريقية في تركيا، وفي هذا المجال أتصور أن الشركات والمقاولات المغربية يمكن أن تلعب دورا هماما في هذا الاتجاه خصوصا أن المقاولات المغربية راكمت تجربة مهمة خلال نشاطها بعدد من الدول الإفريقية.
بالحديث عن الملفات ذات الاهتمام المشترك بين أنقرة والرباط في
دون شك الأزمة السورية ستكون ضمن أهم القضايا التي يطرحها الجانبان على طاولة البحث، فالوضع في سوريا أضحى يطرح إشكالا كبيرا، ليس على مستوى الداخل السوري فقط، بل إن الاستقرار الإقليمي كله أضحى اليوم في خطر، ويمكن لهذه الأزمة اليوم أن تؤدي إلى استقطاب طائفي خطير سيهدد أمن واستقرار المنطقة برمتها، والرباط وأنقرة لها بهذا الخصوص وجهات نظر متطابقة في الموضوع.
وتركيا والمغرب يطالبان برحيل الأسد وبتمكين الشعب السوري من تقرير مصيره، وأعتقد أن الأزمة السورية دخلت الآن في العد العكسي حيث سنشهد في الايام القليلة المقبلة تحركات دبلوماسية كثيفة سواء على مستوى دول العالم العربي أو في أوروبا أو في أمريكا.
وهذه الزيارة لرئيس الوزراء التركي إلى الشمال الإفريقي كذلك لا تخرج عن هذا السياق خصوصا أن تركيا معنية بما يقع في سوريا بشكل مباشر، سواء تعلق الأمر بموضوع اللاجئين السوريين أو بالرؤية الجيوستراتيجية للوضع الإقليمي برمته في الشرق الأوسط.
المغرب خلال العامين الأخيرتين شهد بالتزامن مع بداية الربيع العربي ما
اليوم هناك تجربة نموذجية في تركيا، حيث تسلم السلطة ما يمكن وصفه بالــ"حزب الإسلامي المحافظ"، يطرح نموذج تنموي ديمقراطي جديد، ستستفيد منه عدد من الدول العربية خصوصا ما يسمى ببلدان الربيع العربي، وفي سياق الانفتاح على هذه البلدان كان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قد قام بزيارة لكل من مصر وتونس.
وبدون شك فإن كل الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية في العالم العربي مهتمة بالتجربة التركية، فمثلا في الشق السياسي يعطي الحزب الحاكم في تركيا نموذجا لحزب منفتح ديمقراطي يؤمن بالتعددية بل بنوع من العلمانية المرنة في اتجاه الإرث الأتاتوركي للدولة التركية، وفي نفس الوقت يقدم نموذجا اقتصاديا فعالا، حول تركيا من بلد فلاحي يعاني من الفساد والمديونية، إلى بلد صناعي يدعم المقاولات الصغرى والمتوسط بشكل كبير، والدليل على هذا النهوض الاقتصادي فوز تركيا بصفقات مهمة في القطاع الاقتصادي في عدد من الدول العربية، مثلا في المغرب فازت مستثمرون أتراك بطلب عروض في مشورع "المترو المعلق" بمدينة الدار البيضاء المغربية، وكذلك بمشروع اقتصادي مهم بشأن للفوسفات، إذن تركيا سواء كنموذج سياسي أو اقتصادي فهي محل اهتمام واسع من قبل كل الديمقراطيات الناشئة في العالم العربي ومن بينها المغرب.
بالحديث عن الشق الاقتصادي هل تتوقعون أن سياسة الانفتاح المتبادلة
اليوم المغرب مطالبا في الجانب الاقتصادي بتنويع الشركاء كأحد المبادئ الاساسية لدعم وتطوير الاقتصادي، فالاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأول للمغرب يعاني من أزمة مالية خانقة، قد تدوم لسنوات، ما يفرض على المغرب البحث عن شركاء جدد وفي هذا السياق يمكن للمغرب أن يعتبر تركيا جسره في اتجاه آسيا، وأن يفكر في الدخول لأسواق جديدة، عبر الانفتاح على السوق التركي.
ففي المغرب هناك ثقافة تتجه اقتصاديا نحو أوروبا بالأساس، دون الالتفات إلى المحيط الإقليمي والانفتاح عليه بشكل قوي، وعلى العموم هذه من بين سمات الدول النامية التي لا تتمتع بحقل رؤية واسع للخريطة العالمية وللقوى الصاعدة، وتركيا نفسها كانت إلى وقت قريب لا تهتم لهذا المحيط، ولكن المغرب وتركيا على حد السواء تجاوزا هذه العقبة اليوم.
هناك العديد من العوامل التي تشجع على تعزيز فرص التعاون بين
بين المغرب وتركيا هناك اتفاقيات للتبادل الحر، لكن للأسف النسيج الاقتصادي المغربي معد للاستيراد أكثر منه للتصدير، وبالتالي الميزان التجاري يميل للأتراك بشكل قوي على حساب المغرب، وهذا ما يجب أن يدفع المؤسسات الحكومية المغربية للتفكير في مجالات جديدة للتعاون بين الجانبين يستطيعان عبرها تحقيق قيمة مضافة لكلا الطرفين.
فالمغرب مطالب اليوم بالخروج من نمطية الاقتصاد المرتبط بالاستهلاك وإنتاج المواد الأولية في اتجاه التصنيع وهو ما نجحت فيه تركيا، فالاقتصاد التركي 80% من وارداته من العالم العربي عبارة عن المواد الأولية، فيما تصدر تركيا إلى هذه المنطقة 90% من المواد المصنعة.
ودون أن ننسى أن العلاقات بين الجانبين هي في طورها الأول خاصة أن المغرب الآن هو يكتشف تركيا، وتركيا بدورها تتعرف على المغرب ومعها عدد من الدول العربية فيما كانت وجهتها فيما قبل أوروبا، وبالتالي البلدين يحتاجان للمزيد من الوقت من أجل توطيد العلاقات الثنائية .
هل ترى أن هناك استراتيجية واضحة سيعمد البلدين لاعتمادها في مجال
الجانب الثقافي والإعلامي يلعب دور كبير في دعم مسار التعاون السياسي والاقتصادي، بل هو بمثابة التربة الخصبة التي تنمو فيها المصالح والرؤى المشتركة في المنطقة، اليوم هناك انفتاح نحو تركيا، يلاحظ بشكل واضح من خلال عدد الرحلات التي تقصد تركيا سنويا سواء من المغرب أو من باقي الدول العربية والإفريقية، فعلى سيبل المثال، عدد السياح المغاربة إلى تركيا وصل إلى مابين 200 و300 ألف سائح مغربي سنويا.
كما أن انتشار الدراما التركية يلعب دور مهم في تعريف العرب والمغاربة بتركيا وبجزء من طبيعة هذه الثقافة وهويتها وأنماط عيش الشعب التركي، وفتح مكتب لوكالة الأناضول التركية في المغرب كذلك دليل على هذا التوجه الاستراتيجي التركي الذي يضع الثقافة والإعلام في صلب سياسيته الانفتاحية على العالم العربي وهو ما سنرى نتائجه بوضوح خلال السنوات القليلة القادمة.
قمتم إلى جانب عدد من رجال الإعلام بزيارة إلى تركيا قابلتم خلالها
الانطباع العام الذي أتيت به من الزيارة، هو أن كل عشرة أعوام نشهد في العالم صعود قوة دولية بارزة، فمثلا في السبيعينات شهدنا بروز إسبانيا كقوة نامية، وفي الثمانيات شهدنا صعود البرتغال وفي التسعينات جنوب إفريقيا والصين، أما خلال العشر سنوات الماضية، أظن أن النهضة كانت لتركيا وهذا يتأسس على عدد من المؤشرات، أولا تمكن الاقتصاد التركي من احتلال المرتبة 13 على مستوى الاقتصادات الأوروبية، وبلوغ الناتج الداخلي العام إلى 900 مليار دولار بعد أن كان في حدود 200 مليار دولار، وذلك تطور كبير جدا، فالحضور التركي الآن أصبح قوي في كل المجالات وعلى جميع الاصعدة.
وانطباعي الأخر أن تركيا طويت صفحة كانت فيها منكمشة على ذاتها، والآن صفحة جديدة خصوصا نحو جيرانها التقليديين التاريخين والذين يفتحون لها ذراع العودة إلى هذا المحيط الإقليمي، لكن هذا النهوض والصعود التركي من المؤكد أن العالم العربي يستفيد منه.
news_share_descriptionsubscription_contact
