القاهرة / أحمد علي / الأناضول -
خُفوت الاحتجاجات، وغياب مبادرات حل الأزمة السياسية، وتقلص أعمال العنف نسبيا في المحافظات باستثناء سيناء (شمال شرق)، وتراجع الحريات، وخروج جماعات المعارضة الرئيسية من المعادلة السياسية وتهميشها، إضافة إلى انحسار الأزمات المعيشية اليومية مقابل تصاعد لافت في الأزمة الاقتصادية يجسده انخفاض كبير في قيمة الجنيه المصري.
تلك هي أبرز 6 مشاهد "غائبة" أو "متراجعة" في مصر بعد مرور أكثر من عامين على تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكم، حسب ما تحدث به خبيران دوليان متخصصان في شؤون الشرق الأوسط للأناضول.
** المشهد الأول
الانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص المحروقات، أزمتان كانت البلاد تعاني منهما قبيل حكم السيسي (الذي تولى السلطة في 8 يونيو/حزيران 2014)، وكانتا من بين أسباب غضب المعارضين لحكم محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيا في مصر.
وبينما اختفت الأزمتان على نحو تدريجي على مدار العاميين الماضيين، ظهرت أزمات أخرى يصفها خبراء بـ"الأخطر".
إذ لم يعنِ اختفاء أزمتي انقطاع الكهرباء ونقص المحروقات، تحسناً ملموسا في الأوضاع الاقتصادية للمواطن المصري؛ حيث تشير البيانات الإحصائية الرسمية إلى تزايد الأعباء المالية على المواطنين بشكل كبير.
وتظهر بيانات "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" في مصر (حكومي)، أن معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين (ارتفاع الأسعار) في المدن المصرية بلغ 14.8% على أساس سنوي في يونيو/حزيران الماضي.
ومن بين أسباب ارتفاع الأسعار، حسب مراقبين، تراجع قيمة العملة الوطنية (الجنيه) على نحو حاد؛ إذ يدور سعر الدولار حالياً، بين 12 و13 جنيهاً، مقابل أقل من 7.50 جنيه في الوقت نفسه قبل نحو عامين.
وتكافح القاهرة حالياً للخروج من أزمة اقتصادية خاصة، في ظل تناقص عائدات البلاد من النقد الأجنبي مع عزوف المستثمرين الأجانب والسياح، وتراجع عوائد المجرى الملاحي العالمي قناة السويس، وهي أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد.
وهوت الاحتياطيات النقدية من حوالي 36 مليار دولار أمريكي قبل ثورة 25 يناير/كانون ثان إلى حوالي 17.5 مليار في يونيو/حزيران.
وفي تصريح هاتفي للأناضول، قال يزيد الصايغ، وهو باحث رئيسي في "مركز كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت، إن "مصر تواجه مشكلة هي الأكثر خطورة على الإطلاق بين المشاهد الستة، وتعد أخطر من أزمة انقطاع الكهرباء؛ إذ أن البلاد أصبحت أقل قدرة على حل المشاكل الهيكلية للبطالة والفقر، وتعاني من ضعف الإنتاج، وانخفاض معدلات الاستثمار، وتقلص عوائد النقد الأجنبي".
الصايغ حذر من أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر "قد يقود إلى أزمة اجتماعية وسياسية عميقة تؤدي إلى زيادة التطرف وانتشار العنف".
ونشر مركز "كارنيغي" في 21 يوليو/تموز الماضي، تقريرًا حول النظام المصري الحالي وتأسيس السلطوية، اعتبر فيه أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تحرم النظام المصري الحالي من الموارد الاقتصادية والمالية اللازمة للحفاظ على الداعمين له من بين صفوف موظفي الدولة، موضحا أن تراجع الوضع الاقتصادي اضطر النظام لاعتماد تدابير تقشفيه من شأنها اغضاب تلك الفئة.
** المشهد الثاني
تراجع أشكال الاحتجاج العام، هو المشهد الثاني؛ إذ اعتاد معارضون عقب مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013، التي اتخذها الجيش مبررا في 3 يوليو/ تموز من العام ذاتته للإنقلاب على محمد مرسي، اول رئيس منتخب ديمقراطي، على الخروج في مظاهرات نهارية ومسيرات ليلية تطالب بعودة مرسي للحكم.
إضافة إلى ذلك، شهدت البلاد فعاليات احتجاجية أخرى نظمها نشطاء وحركات ثورية لأسباب عدة من بينها المطالبة بالإفراج عن معتقلين، ورفض قوانين بعينها مثل "قانون التظاهر" (الذي يفرض قيود على حرية التظاهر).
وتدريجيًا، بدأت هذه الاحتجاجات في التراجع، لكنها لم تختف كليا؛ إذ ظلت الورقة التي تستند إليها المعارضة في حال رفع مطالب بعينها، وكان من أبرزها هذا العام خروج آلاف الرافضين لنقل تبعية جزيرتين في البحر الأحمر إلى السعودية، يوم 25 أبريل/نيسان الماضي، في تظاهرات حملت اسم "جمعة الأرض".
وتسببت المظاهرات، وما تلاها من اقتحام قوات الأمن لمقر "نقابة الصحفيين" (أحد أعرق وأكبر النقابات في مصر) والقبض على اثنين من الصحفيين بها، في أزمة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية، وصلت إلى حد مثول نقيب الصحفيين، يحيى قلاش، ووكيل النقابة، خالد البلشي، والسكرتير العام للنقابة، جمال عبد الرحيم، أمام القضاء؛ وذلك لاتهامهم بإيواء صحفيين صادر بحقهم أمر قضائي بالضبط والإحضار.
** المشهد الثالث
أزمة نقابة الصحفيين مع وزارة الداخلية، أبرز ملامح المشهد الثالث في مصر، وهو تراجع الحريات.
ومن ملامح تراجع الحريات، أيضاً، تكثيف الملاحقات القضائية، واستمرار المحاكمات التي تشمل بشكل أساسي قيادات "جماعة الإخوان المسلمين"، وعشرات الآلاف - حسب تقديرات حقوقية - المقبوض عليهم بتهم "التحريض على العنف أو إثارة الشغب"، لكن المتهمين ينفون هذه التهم، ويعتبرونها "تهما سياسية" انتقاما منهم لرفضهم خطوة الإطاحة بمرسي.
وقال السيسي في حوار مع ممثلين عن فئات الشعب المصري، خلال الشهر ذاته، إنه يحاول التوازن بين الإجراءات الأمنية وحقوق الانسان، مبديًا استعداده بالإفراج عن دفعات من المقبوض عليهم، ومراجعة قوائم السجناء، وإطلاق سراح كل من هو بريء.
وأصدرت السلطات على مدار عامين، قرارات بالعفو عن عدد محدود من المساجين، كان من بينهم محمد فهمي وباهر محمد، الصحفيان بقناة الجزيرة، وعدد من الشباب المسجونين في قضايا تتعلق بخرق قانون التظاهر، لكن مازال حقوقيون يطالبون بالإفراج عن باقي المحبوسين الذين يقول عنهم السيسي إنهم "عدد بسيط جدًا"، في مقابلة أجراها مع الإعلامي المصري أسامة كمال في 3 يونيو/حزيران الماضي، فيما تقدرهم منظمات حقوقية غربية بما "لا يقل عن 30 ألف".
وفي 27 يونيو/حزيران الماضي، قامت السلطات بترحيل الإعلامية البريطانية من أصل لبناني، ليليان داوود، من مصر بدعوى انتهاء مدة إقامتها.
وعلقت صحيفة "تليجراف" البريطانية على ذلك قائلة في 2 يوليو/تموز الماضي إن "ترحيل داوود يأتي في سياق ما أسمته حملة القمع المتواصلة في البلاد ضد حرية الإعلام، معتبرة أن السلطات تشن حربا على حرية الإعلام، بالتزامن مع حملتها ضد المعارضين.
الباحثة الأمريكية المتخصصة في التغييرات السياسية والاقتصادية في البلدان العربية، وخصوصاً في مصر، ميشيل دنّ، قالت للأناضول إن "الحريات العامة والمدنية والفردية تراجعت بشكل حاد في مصر، وباتت الأوضاع أشبه بقدر يغلي على النار".
واتفق معها يزيد الصايغ قائلاً إن مصر "تراجعت بشكل واضح في مجال الحريات وحقوق الإنسان"، واصفًا المشهد بأنه أصبح من الناحية السياسية "أكثر استبدادية" من عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، محذرًا من "خطورة الأوضاع في الفترة المقبلة"، على حد قوله.
وكذلك "سارة لي ويتسون"، مديرة منظمة هيومن رايتس ووتش في الشرق الأوسط، التي قالت إن "حقوق الإنسان في مصر تراجعت منذ الإطاحة بمرسي وإن السلطات المصرية لم تعد تسمح للمظاهرات العامة التي تنتقد سياسات الحكومات".
وفي تصريح مكتوب للأناضول تناولت فيه الأوضاع الحقوقية خلال الفترة الحالية، أضافت ويتسون: "عندما تخرج المظاهرات رغمًا عن الحكومة؛ فالسلطات تلاحق المشاركين فيها، فضلًا عن اضطهاد الحكومة لمنظمات حقوق الإنسان المستقلة عن طريق التحقيق في مصادر التمويل، ومنعهم من السفر، وتجميد أصول مدرائها، بل ومحاكمتهم المستمرة التي يمكن في أي وقت أن يصدر فيها أحكام قاسية، وعقوبات شديدة".
ووفق المتحدثة نفسها، "وصل سوء أوضاع الحريات إلى نقل عدد من موظفي المنظمات الحقوقية لخارج البلاد أو تقليص عملها في مصر"، "كما أن السلطات أنهت فعليًا معظم الأشكال الحقيقية للمعارضة السياسية بوصف أصحابها بالإرهابيين".
وتلاحق مصر، انتقادات محلية ودولية، تتهمها بعدم احترام حقوق الإنسان وملاحقة نشطاء ومعارضين، غير أن السلطات المصرية دائمًا ما تقول إنها تكفل حرية التعبير عن الآراء، وليس لديها معتقلون سياسيون، وتكفل للمتهمين كافة الحقوق، لا سيما الطعن على الأحكام، وذلك ردًا على تلك الانتقادات.
** المشهد الرابع
باستثناء محافظة شمال سيناء، يعد تراجع أعمال العنف، دون غيابها، المشهد الرابع في مصر بعد مرور أكثر من عامين على حكم السيسي؛ إذا تحولت إلى أحداث تقع بين حين وأخر، بعدما كانت روتينا شبه يومي، ومن أبرزها حادثة اغتيال النائب العام، هشام بركات، نهاية يونيو/حزيران 2015، وواقعة اغتيال رجل دين مسيحي في مدينة العريش بسيناء في يونيو/حزيران الماضي.
غير أنه مع تراجع العنف بشكل عام، يستمر استهداف قوات الجيش والشرطة في محافظة شمال سيناء، وهو ما تقول عنه ميشيل دن "عنف متصاعد بعكس بقية أشكال العنف؛ وهو ما يعني أننا أمام وضع ينذر بخطورة في حال امتداده من سيناء لأنحاء البلاد".
** المشهد الخامس
المشهد الخامس، وهو غياب المبادرات والوساطات الدولية لحل الأزمة بين السلطة الحالية وجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي لها مرسي، ولم يعد هناك أي جهد خارجي في هذا الصدد خلال العاميين الماضيين، حيث كانت آخر مبادرة خارجية للاتحاد الأفريقي في أبريل/نيسان 2014.
ولم يُكتب للمبادرة الأفريقية النجاح رغم عقد عدة لقاءات جمعت بين وفد الحكماء الأفريقي برئاسة ألفا عمر كوناري رئيس جمهورية مالي الأسبق وبين ممثلين من طرفي الأزمة، المتمثلة في قيادات "التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب" والمرشحين المحتملين للرئاسة في ذلك الوقت عبد الفتاح السيسي، ومنافسه حمدين صباحي مؤسس "التيار الشعبي".
كذلك لم يحالف النجاح، أياً من المبادرات الداخلية التي لم يتجاوز عددها الـ 17 مبادرة خلال العاميين الماضيين، وكانت تعبر عن رؤية أصحابها.
وكان أبرز تلك المبادرات مبادرة السياسي حسن نافعة، التي جاءت بعنوان "خارطة إنقاذ الوطن من محنته"، وعبّرت عن عدد من كبار المفكرين المحايدين، لكنها لم تتجاوز المربع الإعلامي رغم ترحيب أحد أعضاء التحالف الداعم للشرعية.
** المشهد السادس
يتمثل المشهد السادس في خروج جماعات المعارضة الرئيسية المتمثلة في الليبراليين والنشطاء الثوريين، والسلفيين، الذين كان لهم ظهور واضح في فترة الإطاحة بحكم مرسي، من المعادلة السياسية.
وفي هذا الصدد، أصبح "حزب النور" السلفي، مهمشًا سياسيا، لاسيما بعد حصوله على 12 مقعد في البرلمان الحالي من إجمالي عدد مقاعد البرلمان البالغة 596 مقعدا، مقابل 123 مقعدا من بين مقاعد البرلمان البالغة 508 مقاعد في انتخابات عام 2012.
news_share_descriptionsubscription_contact
