الرباط / الأناضول
** خبير الاقتصاد المغربي محمد ياوحي:
تلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي، في وقت باتت فيه المؤشرات المالية عنصرا مؤثرا في الصراع وسير المفاوضات، وسط استخدام متزايد للاقتصاد كورقة ضغط بين الأطراف.
ويبقى الاقتصاد سلاحا يرسم ملامح الحرب والسلام في ظل تغيير قواعد اللعبة لتشمل المضائق، ما تسبب باضطراب في إمدادات الطاقة وبتعطل سلاسل التوريد وبارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
إسرائيل والولايات المتحدة بدأتا في 28 فبراير/شباط عدوانا على إيران خلّف آلاف القتلى، وردّت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وقواعد ومصالح أمريكية في المنطقة.
وفي 8 أبريل/نيسان أُعلنت هدنة لمدة أسبوعين بوساطة باكستان تمهيدًا لمفاوضات أوسع، إلا أن جولة المباحثات في 12 من الشهر نفسه بإسلام آباد انتهت دون اتفاق.
وعقب فشل المفاوضات، فرضت البحرية الأمريكية حصارًا على الموانئ الإيرانية بما فيها الواقعة على مضيق هرمز، وهو ما وصفته طهران بـ"القرصنة".
وفي 18 أبريل أعلنت إيران إعادة إغلاق المضيق بعد ساعات من فتحه ردًا على استمرار الحصار، بينما سجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية 3 حوادث لسفن في المضيق خلال 3 ساعات قبالة سواحل سلطنة عُمان.
الأسواق المالية تكبدت خسائر متتالية وسط مخاوف من موجة تضخم عالمية في ظل محدودية الإجراءات الحمائية للعديد من المؤسسات الدولية والحكومات، التي تواجه موجات من ارتفاع أسعار الوقود، ما يضرب القدرة الشرائية للمستهلكين.
وفي 14 أبريل خفض صندوق النقد الدولي توقعات النمو العالمي للعام 2026 بنسبة 0.2 بالمئة لتصبح 3.1 بالمئة، فيما أبقاها عند 3.2 للعام 2027.
وعزا صندوق النقد تباطؤ النمو العالمي في العام 2026 إلى تداعيات الحرب على إيران.
كما توقع ارتفاع معدل التضخم الكلي العالمي إلى 4.4 بالمئة في العام الجاري قبل انخفاضه مجددا في 2027 إلى 3.7 بالمئة.
خبير الاقتصادي المغربي محمد ياوحي يقول إن الحرب على إيران ليست مجرد صراع سياسي فقط، بل صراع اقتصادي عالمي كذلك.
ويذكر ياوحي في حديثه للأناضول أن الحرب الاقتصادية أثرت على بلدان أكثر من غيرها وأن أطراف الصراع تعتمد الاقتصاد كورقة ضغط، موضحا أن إيران فرضت ضغطا على الولايات المتحدة وحلفائها عبر إغلاق مضيق هرمز.
ويضيف: "على رأس هذه الدول المتضررة نجد دول أوروبا الغربية التي تعتمد على شراء النفط، بما في ذلك النفط الإيراني، لتغذية قوتها الصناعية، وكذلك هناك دول آسيوية مثل اليابان".
وبحسب ياوحي، فإن إيران تدرك أن ورقة النفط تعد أداة ضغط يمكن استخدامها للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، كما حدث عندما عمدت إلى إغلاق مضيق هرمز أو عرقلة مرور ناقلات النفط.
ويتابع: "في الوقت الذي تعتمد طهران وواشنطن على ورقة الاقتصاد للضغط، فإن بعض الدول تستفيد من هذا الوضع مثل روسيا التي يمكن أن ترفع من نسبة صادرات النفط وتجاوز الانعكاسات السلبية للحظر الذي سبق أن فرضته واشنطن عليها" بسبب الحرب في أوكرانيا.
ويضيف: "في الحروب، الاقتصاد بمثابة ورقة ضغط من أجل الجلوس إلى طاولة المفاوضات وفرض شروط معينة".
ويبرز الخبير المغربي أن واشنطن دخلت هذه الحرب ولا تراعي إلا مصالحها فقط، مبينا أن خسائرها حتى الآن أقل مقارنة مع بعض الاقتصادات الأخرى.
ويرى أن "الولايات المتحدة تسعى لبعثرة الأوراق لمجموعة من الدول التي تعرف تطورا من خلال عدة قرارات مثل حصار مضيق هرمز بهدف إرباك بعض الدول"، لافتا إلى أن "الولايات المتحدة دخلت في حرب استنزاف اقتصادي سواء ضد إيران أو حلفاء الأخيرة".
والثلاثاء أعلنت الحكومة الإيرانية أن الخسائر الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على البلاد تقدر بنحو 270 مليار دولار.
وقالت متحدثة الحكومة فاطمة مهاجراني، في تصريحات صحفية، إن هذه التقديرات لا تزال أولية.
وقال كاتب الرأي نيكولاس كريستوف، والصحفية إنغريد هولمكويست إن تكلفة الحرب على الولايات المتحدة بلغت مستوى غير مسبوق، إذ قدرت بنحو 1.3 مليون دولار في الدقيقة خلال الأيام الستة الأولى فقط من العمليات، وذلك في مقال تحليلي نشرته صحيفة نيويورك تايمز.
أما الخبير في العلاقات الدولية خالد يايموت، فيقول للأناضول إن الحرب على إيران دخلت في منعطف حرب المضايق.
ويتوقع يايموت أن تتغير قواعد اللعبة ببعض المضائق بسبب هذه الحرب، خصوصا في مضيقي هرمز وتايوان، وأن هذا التغيير يسبق تغير النظام الدولي.
ويصف الحصار الأمريكي حول مضيق هرمز بـ"الكارثة التي تمس الأمن العالمي لأن هذا الحصار سابقة في الصراع الأمريكي مع بكين".
ويضيف: "ما يهم الصين هو مضيق تايوان الذي يقع بين الصين وتايوان".
ومضيق تايوان يعرف كذلك بمضيق فورموسى، وهو جزء من بحر الصين الجنوبي ويتصل مع بحر الصين الشرقي من جهة الشمال الشرقي، وطوله 180 كم، وعرض 130 كيلومترا.
ويتوقع يايموت أن "تبسط بكين سيطرتها على مضيق تايوان، خاصة أنها كانت تحتاج لسابقة في هذا الصدد، وهو ما قامت به واشنطن في مضيق هرمز".
ويتابع: "تحتاج الصين لفحص رد فعل المؤسسات الدولية، خاصة أنها امتنعت هي وروسيا حتى الآن عن عرض قضية حصار مضيق هرمز على مجلس الأمن الدولي".
ويلفت إلى أنه "في زمن الفوضى والحروب لا نحتاج للركن المادي والمعنوي وتكرارهما للإقرار بالعرف أو نشوب قاعدة قانونية أو عرفية في القانون الدولي، بل نحتاج سابقة من القوى العظمى وقد وقعت".
وتبعا لذلك يرى ياوحي أن "الحصار كارثة جيو- استراتيجية على أمريكا بكل المقاييس، وهو ما تدركه الدولة العميقة بالولايات المتحدة التي حاولت إبراز موقفها من خلال بعض وسائل الإعلام".
وإضافة إلى ذلك، فإن مضيق باب المندب يقع ضمن دائرة التهديد بالإغلاق أيضاً ما يضاعف كلفة الحرب ويزيد أوراق الضغط فيها.
وفي أكثر من مناسبة هددت إيران بإغلاق مضيق باب المندب الواصل بين البحر الأحمر وخليج عدن وكان آخرها تصريحات قائد مقر "خاتم الأنبياء" للعمليات الحربية الإيرانية ، الجنرال علي عبداللهي، الأربعاء الماضي.
وباب المندب ممر بحري استراتيجي يمثل أحد أضلاع مثلث المعابر الاستراتيجية لنقل الطاقة والغذاء بعد مضيق هرمز وقناة السويس، ويقع بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في إفريقيا، ويتوسط القارات الخمس.
وقال عبداللهي إن "الولايات المتحدة المعتدية والإرهابية إذا استمرّت في حصارها البحري غير القانوني ضد إيران في المنطقة وخلقت حالة من انعدام الأمن للسفن التجارية وناقلات النفط الإيرانية، فإن هذا الإجراء الأمريكي سيكون مقدمة لخرق وقف إطلاق النار".
وتوعد بأن القوات المسلحة الإيرانية بناء على ذلك "لن تسمح" باستمرار أي صادرات أو واردات في منطقة الخليج وبحر عُمان والبحر الأحمر، في إشارة لإغلاق مضيق باب المندب.
ومنذ بداية الحرب تدور مخاوف إقليمية ودولية من أن توسع جماعة الحوثي في اليمن، المتحالفة مع إيران، تدخلها بالمواجهات ما قد يؤدي إلى إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق باب المندب.
news_share_descriptionsubscription_contact
